والمراد بما ألفوا عليه آباءهم ما وجدوهم عليه من أمور الشرك كما قالوا ( إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) والأمة : الملة وأعظم ذلك عبادة الأصنام .
وقوله ( أو لم كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) كلام من جانب آخر للرد على قولهم نتبع ما ألفينا عليه آباءنا فإن المتكلم لما حكاه عنهم رد قولهم هذا باستفهام يقصد منه الرد ثم التعجيب فالهمزة مستعملة في الإنكار كناية وفي التعجيب إيماء والمراد بالإنكار الرد والتخطئة لا الإنكار بمعنى النفي .
ولو للشرط وجوابها محذوف دل عليه الكلام السابق تقديره : لاتبعوهم والمستفهم عنه هو الارتباط الذي بين الشرط وجوابه وإنما صارت الهمزة للرد لأجل العلم بأن المستفهم عنه يجاب عنه بالإثبات بقرائن حال المخبر عنه والمستفهم .
ومثل هذا التركيب من بديع التراكيب العربية وأعلاها إيجازا و ( لو ) في مثله تسمى وصلية وكذلك ( إن ) إذا وقعت في موقع ( لو ) وللعلماء في معنى الواو وأداة الشرط في مثله ثلاثة أقوال : A E القول الأول إنها للحال وإليه ذهب ابن جنى والمرزوقي وصاحب الكشاف قال ابن جنى في شرح الحماسة عند قول عمرو بن معد يكرب : .
ليس الجمال بمئزر ... فاعلم وإن رديت بردا ونحو منه بيت الكتاب : .
" عاود هراة وإن معمورها خربا وذلك أن الواو وما بعدها منصوبة الموضع بعاود كما أنها وما بعدها في قوله وإن رديت بردا منصوبة الموضع بما قبلها وقريب من هذا : أزورك راغبا فيض وأحسن إليك شاكرا إلى فراغبا وشاكرا لهما ألا ترى أن معناه إن رغبت في زرتك وإن شكرتني أحسنت إليك وسألت مرة أبا على عن قوله : .
" عاود هراة وإن معمورها خربا كيف موقع الواو هنا وأومأت في ذلك له إلى ما نحن بصدده فرأيته كالمصانع في الجواب لا قصورا بحمد الله عنه ولكن فتورا عن تكلفه فأجمعته وقال المرزوقي هنالك : قوله " وإن رديت بردا " في موضع الحال كأنه قال ليس جمالك بمنرر مردى معه برد والحال قد يكون فيه معنى الشرط كما أن الشرط فيه معنى الحال فالأول كقولك لأفعلنه كائنا ما كان أي إن كان هذا أو إن كان ذاك والثاني كبيت الكتاب : .
" عاود هراة وإن معمورها خربا لأن الواو منه في موضع الحال كما هو في بيت عمرو وفيه لفظ الشرط ومعناه وما قبله نائب عن الجواب وتقديره : إن معمورها خربا فعاودها وإن رديت بردا على منرر فليس الجمال بذلك اه وقال صاحب الكشاف : في هذه الآية وفي نظيرتها في سورة المائدة " الواو للحال " ثم ظاهر كلام ابن جنى والمرزوقي أن الحال في مثله من الجملة المذكورة قبل الواو وهو الذي نحاه البيضاوي هنا ورجحه عبد الحكيم وذهب صاحب الكشاف إلى أن الحال من جملة محذوفة تقديرها أيتبعونهم ولو كان آباؤهم وعلى اعتبار الواو واو الحال فهمزة الاستفهام في قوله ( أو لو كان آباؤهم ) ليست مقدمة من تأخير كما هو شانها مع واو العطف والفاء وثم بل الهمزة داخلة على الجملة الحالية لأن محل الإنكار هو تلك الحالة ولذلك قال في الكشاف في سورة المائدة " الواو واو الحال قد دخلت عليها همزة الإنكار " وقدر هنا وفي المائدة محذوفا هو مدخول الهمزة في التقدير يدل عليه ما قبله فقدره هنا أيتبعون آباءهم وقدره في سورة المائدة أحسبهم ذلك وهذا اختلاف في رأيه فمن لا يقدر محذوفا يجعل الهمزة داخلة على جملة الحال .
القول الثاني أن الواو للعطف قيل على الجملة المتقدمة وإليه ذهب البيضاوي ولا أعلم له سلفا فيه وهو وجيه جدا أي قالوا بل تتبع ولو كان آباؤهم وعليه فالجملة المعطوفة تارة تكون من كلام الحاكي كما في الآية أي يقولونه في كل حال ولو كان آباؤهم إلخ فهو من مجيء المتعاطفين من كلامي متكلمين عطف التلقين كما تقدم في قوله تعالى ( قال ومن ذريتي ) وتارة تكون من كلام صاحب الكلام الأول كما في بيت الحماسة وبيت الكتاب وتارة تكون من كلام الحاكي تلقينا للمحكي عنه وتقديرا له من كلامه كقول رؤبة : .
قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما قالت وإن
