وقيل العطف على جملة محذوفة ونسبه الرضى للجرمي وقدروا الجملة بشرطية مخالفة للشرط المذكور والتقدير : يتبعونهم إن كانوا يعقلون ويهتدون ولو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون وكذلك التقدير في نظائره من الشواهد وهذا هو الجاري على ألسنة المعربين عندنا في نظائره لخفة مؤنته .
القول الثالث : مختار الرضى أن الواو في مثله للاعتراض إما في آخر الكلام كما هنا وإما في وسطه وليس الاعتراض معنى من معاني الواو ولكنه استعمال يرجع إلى واو الحال .
A E فأما الشرط المقترن بهذه الواو فلكونه وقع موقع الحال أو المعطوف أو الاعتراض من كلام سابق غير شرط كان معنى الشرطية فيه ضعيفا لذلك اختلف النحاة في أنه باق على معنى الشرط أو انسلخ عنه إلى معنى جديد فظاهر كلام ابن جنى والمرزوقي أن الشرطية باقية ولذلك جملا يقربان معنى الشرط من معنى الحال يومئان إلى وجه الجمع بين كون الجملة حالية وكونها شرطية وإليه مال البيضاوي هنا وحسنه عبد الحكيم وهو الحق ووجه معنى الشرطية فيه أن الكلام الذي قبله إذا ذكر فيه حكم وذكر معه ما يدل على وجود سبب لذلك الحكم وكان لذلك السبب أفراد أو أحوال متعددة منها ما هو مظنة لأن تتخلف السببية عنده لوجود ما ينافيها معه فإنهم يأتون بجملة شرطية مقترنة بإن أو لو دلالة على الربط والتعليق بين الحالة المظنون فيها تخلف التسبب وبين الفعل المسبب عن تلك الحالة لأن جملة الشرط تدل على السبب وجملة الجزاء تدل على المسبب ويستغنون حينئذ عن ذكر الجزاء لأنه يعلم من أصل الكلام الذي عقب بجملة الشرط .
وإنما خص هذا النوع بحرفي " إن ولو " في كلام العرب لدلالتهما على ندرة حصول الشرط أو امتناعه إلا أنه إذا كان ذلك الشرط نادر الحصول جاءوا معه بإن كبيت عمرو وإذا كان ممتنع الحصول في نفس الأمر جاءوا معه بلو كما في هذه الآية وربما أتوا بلو لشرط شديد الندرة للدلالة على أنه قريب من الممتنع فيكون استعمال لو معه مجازا مرسلا تبعيا .
وذهب جماعة إلى أن " إن ولو " في مثل هذا التركيب خرجتا عن الشرطية إلى معنى جديد وظاهر كلام صاحب الكشاف في قوله تعالى ( ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن ) أن لو فيه للفرض ؛ إذ فسره بقوله : مفروضا إعجابك حسنهن وقال صاحب الكشاف هنا إن الشرط في مثله لمجرد التسوية وهي لا تقتضي جوابا على الصحيح لخروجها عن معنى الشرطية وإنما يقدرون الجواب توضيحا للمعنى وتصويرا له اه . وسمى المتأخرون من النحاة " إن ولو " هاتين وصليتين وفسره التفتازاني في المطول بأنهما لمجرد الوصل والربط في مقام التأكيد .
وإذ قد تحققت معنى هذا الشرط فقد حان أن نبين لك وجه الحق في الواو المقارنة له المختلف فيها ذلك الاختلاف الذي سمعته فإن كان ما بعد الواو معتبرا من جملة الكلام الذي قبلها فلا شبهة في أن الواو للحال وأنه المعنى المراد وهو الغالب وإن كان ما بعدها من كلام آخر فهي واو العطف لا محالة عطفت ما بعدها على مضمون الكلام الأول على معنى التلقين وذلك كما في قوله تعالى ( قل أولو كانوا لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) وكذلك الآية التي نحن بصدد تفسيرها فإن مجيء همزة الاستفهام دليل على أنه كلام آخر وكذلك بيت " قالت بنات العم " المتقدم وإن كان ما بعدها من جملة الكلام الأول لكنه منظور فيه إلى جواب سؤال يخطر ببال السامع فالواو للاستئناف البياني الذي عبر عنه الرضى بالاعتراض مثل قول كعب بن زهير : .
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب وإن كثرت في الأقاويل فإن موقع الشرط فيه ليس موقع الحال بل موقع رد سؤال سائل يقول : أتنفي عن نفسك الذنب . وقد كثر القول في إثباته .
وقوله ( لا يعقلون شيئا ) أي لا يدركون شيئا من المدركات وهذا مبالغة في إلزامهم بالخطأ في اتباع آبائهم عن غير تبصر ولا تأمل وتقدم القول في كلمة شئ
