ومتعلق ( ولا يهتدون ) محذوف أي إلى شئ وهذه الحالة ممتنعة في نفس الأمر ؛ لأن لآبائهم عقولا تدرك الأشياء وفيهم بعض الاهتداء مثل اهتدائهم إلى إثبات وجود الله تعالى وإلى بعض ما عليه أمورهم من الخير كإغاثة الملهوف وقرى الضيف وحفظ العهد ونحو ذلك ولهذا صح وقوع لو الشرطية هنا . وقد أشبعت الكلام على " لو " هذه ؛ لأن الكلام عليها لا يوجد مفصلا في كتب النحو وقد أجحف فيه صاحب المغنى . وليس لهذه الآية تعلق بأحكام الاجتهاد والتقليد ؛ لأنها ذم للذين أبوا أن يتبعوا ما أنزل الله فأما التقليد فهو تقليد للمتبعين ما أنزل الله .
( ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون [ 171 ] ) A E لما ذكر تلقيهم الدعوة إلى اتباع الدين بالإعراض إلى أن بلغ قوله ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) وذكر فساد عقيدتهم إلى أن بلغ قوله ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ) الآية فالمراد بالذين كفروا المضروب لهم المثل هنا هو عين المراد من الناس في قوله ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ) وعين المراد من الذين ظلموا في قوله ( ولو ترى الذين ظلموا ) وعين الناس في قوله ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ) وعين المراد من ضمير الغائب في قوله ( وإذا قيل لهم ) عقب ذلك كله بتمثيل فظيع حالهم إبلاغا في البيان واستحضارا لهم بالمثال وفائدة التمثيل تقدمت عند قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) .
وإنما عطفه بالواو هنا ولم يفصله كما فصل قوله ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) لأنه أريد هنا جعل هذه صفة مستقلة لهم في تلقي دعوة الإسلام ولو لم يعطفه لما صح ذلك .
والمثل هنا لما أضيف إلى الذين كفروا كان ظاهرا في تشبيه حالهم عند سماع دعوة النبي A إياهم إلى الإسلام بحال الأنعام عند سماع دعوة من ينعق بها في أنهم لا يفهمون إلا أن النبي A يدعوهم إلى متابعته من غير تبصر في دلائل صدقه وصحة دينه فكل من الحالة المشبهة والحالة المشبه بها يشتمل على أشياء : داع ومدعو ودعوة وفهم وإعراض وتصميم وكل من هاته الأشياء التي هي أجزاء التشبيه المركب صالح لأن يكون مشبها بجزء من أجزاء المشبه به وهذا من أبدع التمثيل وقد أوجزته الآية إيجازا بديعا والمقصود ابتداء هو تشبيه حال الكفار لا محالة ويستتبع ذلك تشبيه حال النبي وحال دعوته وللكفار هنا حالتان : إحداهما حالة الإعراض عن داعي الإسلام والثانية حالة الإقبال على عبادة الأصنام وقد تضمنت الحالتين الآية السابقة وهي قوله ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ) وأعظمه عبادة الأصنام فجاء هذا المثل بيانا لما طوى في الآية السابقة .
A E
