فإن قلت : مقتضى الظاهر أن يقال : ومثل الذين كفروا كمثل غنم الذي ينعق ؛ لأن الكفار هم المشبهون والذي ينعق يشبهه داعي الكفار فلماذا عدل عن ذلك ؟ وهل هذا الأسلوب يدل على أن المقصود تشبيه النبي A في دعائه لهم بالذي ينعق ؟ قلت : كلا الأمرين منتف ؛ فإن قوله : ومثل الذين صريح في أنه تشبيه هيئة بهيئة كما تقدم في قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد ) وإذا كان كذلك كانت أجزاء المركبين غير منظور إليها استقلالا وأيها ذكرت في جانب المركب المشبه والمركب المشبه به أجزأك وإنما كان الغالب أن يبدءوا الجملة الدالة على المركب المشبه به بما يقابل المذكور في المركب المشبه نحو ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) وقد لا يلتزمون ذلك فقد قال الله تعالى ( مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر ) الآية . والذي يقابل ما ينفقون في جانب المشبه به هو قوله ( حرث قوم ) وقال ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ) وإنما الذي يقابل الذين ينفقون في جانب المشبه به هو زارع الحبة وهو غير مذكور في اللفظ أصلا وقال تعالى ( كالذي ينفق ماله رثاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ) الآية والذي يقابل الصفوان في جانب المشبه هو المال المنفق لا الذي ينفق وفي الحديث الصحيح : مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء الخ والذي يقابل الرجل الذي استأجر في جانب المشبه هو الله تعالى في ثوابه للمسلمين وغيرهم ممن آمن قبلنا وهو غير مذكور في جانب المشبه أصلا وهو استعمال كثير جدا وعليه فالتقديرات الواقعة للمفسرين هنا تقادير لبيان المعنى والآية تحتمل أن يكون المراد تشبيه حال المشركين في إعراضهم عن الإسلام بحال الذي ينعق بالغنم أو تشبيه حال المشركين في إقبالهم على الأصنام بحال الداعي للغنم وأبا ما كان فالغنم تسمع صوت الدعاء والنداء ولا تفهم ما يتكلم به الناعق والمشركون لم يهتدوا بالأدلة التي جاء بها النبي A فيكون قوله ( إلا دعاء ونداء ) من تكملة أوصاف بعض أجزاء الركب التمثيلي في جانب المشبه به . وذلك صالح لأن يكون مجرد إتمام للتشبيه إن كان المراد تشبيه المشركين بقلة الإدراك ولأن يكون احتراسا في التشبيه إن كان المراد تشبيه الأصنام حين يدعوها المشركون بالغنم حين ينعق بها رعاتها فهي لا تسمع إلا دعاء ونداء ومعلوم أن الأصنام لا تسمع لا دعاء ولا نداء فيكون حينئذ مثل قوله تعالى ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) ثم قال ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ) .
وقد جوز المفسرون أن يكون التمثيل على إحدى الطريقتين وعندي أن الجمع بينهما ممكن ولعله من مراد الله تعالى ؛ فقد قدمنا أن التشبيه التمثيلي يحتمل كل ما حملته من الهيئة كلها وهيئة المشركين في تلقي الدعوة على إعراض عنها وإقبال على دينهم كما هو مدلول قوله تعالى ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ) الآية فهذه الحالة كلها تشبه حال الناعق بما لا يسمع فالنبي يدعوهم كناعق بغنم لا تفقه دليلا وهم يدعون أصنامهم كناعق بغنم لا تفقه شيئا .
ومن بلاغة القرآن صلوحية آياته لمعان كثيرة يفرضها السامع .
والنعق نداء الغنم وفعله كضرب ومنع ولم يقرأ إلا بكسر العين فلعل وزن ضرب فيه أفصح وإن كان وزن منع أقيس وقد أخذ الأخطل معنى هذه الآية في قوله يصف جريرا بأن لا طائل في هجائه الأخطل : .
فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الظلام ضلالا والدعاء والنداء قيل بمعنى واحد فهو تأكيد ولا يصح وقيل الدعاء للقريب والنداء للبعيد وقيل الدعاء ما يسمع والنداء قد يسمع وقد لا يسمع ولا يصح .
والظاهر أن المراد بهما نوعان من الأصوات التي تفهمها الغنم فالدعاء ما يخاطب به الغنم من الأصوات الدالة على الزجر وهي أسماء الأصوات والنادر رفع الصوت عليها لتجتمع إلى رعلتها ولا يجوز أن يكونا بمعنى واحد مع وجود العطف ؛ لأن التوكيد اللفظي لا يعطف فإن حقيقة النداء رفع الصوت لإسماع الكلام أو المراد به هنا نداء الرعاء بعضهم بعضا للتعاون على ذود الغنم وسيأتي معنى النداء عند قوله تعالى ( ونودوا أن تلكم الجنة ) في سورة الأعراف .
A E