وقوله ( صم بكم عمي ) أخبار لمحذوف على طريقة الحذف المعبر عنه في علم المعاني بمتابعة الاستعمال بعد أن أجرى عليهم التمثيل والأوصاف إن رجعت للمشركين فهي تشبيه بليغ وهو الظاهر وإن رجعت إلى الأصنام المفهومة من ينعق على أحد الاحتمالين المتقدمين فهي حقيقة وتكون شاهدا على صحة الوصف بالعدم لمن لا يصح اتصافه بالملكة كقولك للحائط : هو أعمى إلا أن يجاب بأن الأصنام لما فرضها المشركون عقلاء آلهة وأريد إثبات انعدام الإحساس منهم عبر عنها بهذه الأوصاف تهكما بالمشركين فقيل : صم بكم عمي كقول إبراهيم ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ) .
وقوله ( فهم لا يعقلون ) تفريع كمجيء النتيجة بعد البرهان فإن كان ذلك راجعا للمشركين فالاستنتاج عقب الاستدلال ظاهر لخفاء النتيجة في بادئ الرأي أي إن تأملتم وجدتموهم لا يعقلون ؛ لأنهم كالأنعام والصم والبكم الخ وإن كان راجعا للأصنام فالاستنتاج للتنبيه على غباوة المشركين الذين عبدوها . ومجيء الضمير لهم بضمير العقلاء تهكم بالمشركين لأنهم جعلوا الأصنام في أعلى مراتب العقلاء كما تقدم .
( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون [ 172 ] ) اعتراض بخطاب المسلمين بالامتنان عليهم بإباحة ما في الأرض من الطيبات جرت إليه مناسبة الانتقال فقد انتقل من توبيخ أهل الشرك على أن حرموا ما خلقه الله من الطيبات إلى تحذير المسلمين من مثل ذلك مع بيان ما حرم عليهم من المطعومات وقد أعيد مضمون الجملة المتقدمة جملة ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض ) بمضمون جملة ( يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ) ليكون خطاب المسلمين مستقلا بنفسه ولهذا كان الخطاب هنا بيا أيها الذين آمنوا والكلام على الطيبات تقدم قريبا .
وقوله ( واشكروا لله ) معطوف على الأمر بأكل الطيبات الدال على الإباحة والامتنان والأمر في اشكروا للوجوب لأن شكر المنعم واجب .
وتقدم وجه تعدية فعل الشكر بحرف اللام عند قوله تعالى ( واشكروا لي ) .
والعدول عن الضمير إلى الاسم الظاهر لأن في الاسم الظاهر إشعارا بالإلهية فكأنه يومئ إلى ألا تشكر الأصنام ؛ لأنها لم تخلق شيئا مما على الأرض باعتراف المشركين أنفسهم فلا تستحق شكرا . وهذا من جعل اللقب ذا مفهوم بالقرينة إذ الضمير لا يصلح لذلك إلا في مواضع .
ولذلك جاء بالشرط فقال ( إن كنتم إياه تعبدون ) أي اشكروه على ما رزقكم إن كنتم ممن يتصف بأنه لا يعبد إلا الله أي إن كنتم هذا الفريق وهذه سجيتكم ومن شأن كان إذا جاءت وخبرها جملة مضارعية أن تدل على الاتصاف بالعنوان لا على الوقوع بالفعل مثل قوله ( إن كنتم للرؤيا تعبرون ) أي إن كان هذا العلم من صفاتكم والمعنى إن كنتم لا تشركون معه في العبادة غيره فاشكروه وحده .
فالمراد بالعبادة هنا الاعتقاد بالإلهية والخضوع والاعتراف وليس المراد بها الطاعات الشرعية . وجواب الشرط محذوف أغنى عنه ما تقدمه من قوله ( واشكروا ) .
( إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم [ 173 ] ) استئناف بياني ذلك أن الإذن بأكل الطيبات يثير سؤال من يسأل ما هي الطيبات فجاء هذا الاستئناف مبينا المحرمات وهي أضداد الطيبات لتعرف الطيبات بطريق المضادة المستفاد من صيغة الحصر وإنما سلك طريق بيان ضد الطيبات للاختصار ؛ فإن المحرمات قليلة ولأن في هذا الحصر تعريضا بالمشركين الذين حرموا على أنفسهم كثيرا من الطيبات وأحلوا الميتة والدم ولما كان القصر هنا حقيقيا لأن المخاطب به هم المؤمنون وهم لا يعتقدون خلاف ما يشرع لهم لم يكن في هذا القصر قلب اعتقاد أحد وإنما حصل الرد به على المشركين بطريقة التعريض .
( وإنما ) بمعنى ما ( وإلا ) أي ما حرم عليكم إلا الميتة وما عطف عليها ومعلوم من المقام أن المقصود ما حرم من المأكولات .
والحرام : الممنوع منعا شديدا .
A E