والميتة بالتخفيف هي في أصل اللغة الذات التي أصابها الموت فمخففها ومشددها سواء كالميت والميت ثم خص المخفف مع التأنيث بالدابة التي تقصد ذكاتها إذا ماتت بدون ذكاة فقيل : إن هذا من نقل الشرع وقيل : هو حقيقة عرفية قبل الشرع وهو الظاهر بدليل إطلاقها في القرآن على هذا المعنى .
وقرأ الجمهور الميتة بتخفيف الياء وقرأه أبو جعفر بتشديد الياء .
وإضافة التحريم إلى ذات الميتة وما عطف عليها هو من المسألة الملقبة في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان ومحمله على تحريم ما يقصد من تلك العين باعتبار نوعها نحو ( حرمت عليكم الميتة ) أو باعتبار المقام نحو ( حرمت عليكم أمهاتكم ) فيقدر في جميع ذلك مضاف يدل عليه السياق أو يقال : أقيم اسم الذات مقام الفعل المقصود منها للمبالغة فإذا تعين ما تقصد له قصر التحريم والتحليل على ذلك وإلا عمم احتياطا فنحو حرمت عليكم أمهاتكم متعين لحرمة تزوجهن وما هو من توابع ذلك كما اقتضاه السياق فلا يخطر بالبال أن يحرم تقبيلهن أو محادثتهن ونحو : فاجتنبوه بالنسبة إلى الميسر والأزلام متعين لاجتناب اللعب بها دون نجاسة ذواتها والميتة هنا عام ؛ لأنه معرف بلام الجنس فتحريم أكل الميتة هو نص الآية وصريحها لوقوع فعل ( حرم ) بعد قوله ( كلوا من طيبات ما رزقناكم ) وهذا القدر متفق عليه بين علماء الإسلام واختلفوا فيما عدا الأكل من الانتفاع بأجزاء الميتة كالانتفاع بصوفها ومالا يتصل بلحمها مما كان ينتزع منها في وقت حياتها فقال مالك : يجوز الانتفاع بذلك ولا ينتفع بقرنها وأظلافها وريشها وأنيابها لأن فيها حياة إلا ناب الفيل المسمى العاج وليس دليله على هذا التحريم منتزعا من هذه الآية ولكنه أخذ بدلالة الإشارة ؛ لأن تحريم أكل الميتة أشار إلى خباثة لحمها وما في معناها وقال الشافعي : يحرم الانتفاع بكل أجزاء الميتة ولا دليل له من فعل حرم ؛ لأن الفعل في خير الإثبات لا عموم له ولأن لفظ الميتة كل وليس كليا فليس من صيغ العموم فيرجع الاستدلال به إلى مسألة الخلاف في الأخذ بأوائل الأسماء أو أواخرها وهي مسألة ترجع إلى إعمال دليل الاحتياط وفيه مراتب وعليه قرائن ولا احسبها متوافرة هنا وقال أبو حنيفة لا يجوز الانتفاع بالميتة بوجه ولا يطعمها الكلاب ولا الجوارح لأن ذلك ضرب من الانتفاع بها وقد حرمها الله تحريما مطلقا معلقا بعينها مؤكدا به حكم الحظر فقوله موافق لقول مالك فيما عدا استدلاله .
وأما جلد الميتة فله شبه من جهة ظاهره كشبه الشعر والصوف ومن جهة باطنه كشبه اللحم ولتعارض هذين الشبهين اختلف الفقهاء في الانتفاع بجلد الميتة إذا دبغ فقال أحمد أبن حنبل : لا يطهر جلد الميتة بالدبغ وقال أبو حنيفه والشافعي : يطهر بالدبغ ما عدا جلد الخنزير لأنه محرم العين ونسب هذا إلى الزهري وألحق الشافعي جلد الكلب بجلد الخنزير وقال مالك يطهر ظاهر الجلد بالدبغ لأنه يصير صلبا لا يداخله ما يجاوره وأما باطنه فلا يطهر بالدبغ ولذلك قال : يجوز استعمال جلد الميتة المدبوغ في غير وضع الماء فيه ومنع أن يصلى به أو عليه وقول أبي حنيفة أرجح للحديث الصحيح أن النبي A رأى شاة ميتة كانت لميمونة أم المؤمنين فقال : هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ولما جاء في الحديث الآخر من قوله ( أيما إهاب دبغ فقد طهر ) ويظهر أن هذين الحبرين لم يبلغا مبلغ الصحة عند مالك ولكن صحتهما ثبتت عند غيره والقياس يقتضي طهارة الجلد المدبوغ لأن الدبغ يزيل ما في الجلد من توقع العفونة العارضة للحيوان غير المذكي فهو مزيل لمعنى القذارة والخبائة العارضتين للميتة .
ويستثنى من عموم الميتة ميتة الحوت ونحوه من دواب البحر التي لا تعيش في البر وسيأتي الكلام عليها عند قوله تعالى ( أحل لكم صيد البحر وطعامه ) في سورة العقود .
A E