واعلم أن حكمة تحريم الميتة فيما أرى هي أن الحيوان لا يموت غالبا إلا وقد أصيب بعلة والعلل مختلفة وهي تترك في لحم الحيوان أجزاء منها فإذا أكلها الإنسان قد يخالط جزءا من دمه جراثيم الأمراض مع أن الدم الذي في الحيوان إذا وقفت دورته غلبت فيه الأجزاء الضارة على الأجزاء النافعة ولذلك شرعت الذكاة لأن المذكي مات من غير علة غالبا ولأن إراقة الدم الذي فيه تجعل لحمه نقيا مما يخشى منه أضرار .
ومن أجل هذا قال مالك في الجنين : أن ذكاته ذكاة أمه ؛ لأنه لاتصاله بأجزاء أمه صار استفراغ دم أمه استفراغا لدمه ولذلك يموت بموتها فسلم من عاهة الميتة وهو مدلول الحديث الصحيح " ذكاة الجنين ذكاة أمه " وبه أخذ الشافعي وقال أبو حنيفة لا يؤكل الجنين إذا خرج ميتا فاعتبر أنه ميتة لم يذك وتناول الحديث بما هو معلوم في الأصول ولكن القياس الذي ذكرناه في تأييد مذهب مالك لا يقبل تأويلا .
وقد ألحق بعض الفقهاء بالحوت الجراد تؤكل ميتته لأنه تتعذر ذكاته وهو قول ابن نافع وابن عبد الحكيم من المالكية تمسكا بما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى غزونا مع رسول الله A سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه اه .
وسواء كان معه ظرفا لغوا متعلقا بنأكل أم كان ظرفا مستقرا حالا من ضمير كنا فهو يقتضي الإباحة إما بأكله A إياه وإما بتقريره ذلك فتخص به الآية لأنه حديث صحيح وأما حديث أحلت لنا ميتتان السمك والجراد فلا يصلح للتخصيص لأنه ضعيف كما قال ابن العربي في الأحكام ومنعه مالك وجمهور أصحابه إلا أن يذكى ذكاة أمثاله كالطرح في الماء السخن أو قطع ما لا يعيش بقطعه .
ولعل مالك رحمة الله استضعف الحديث الذي في مسلم أو حمله على الاضطرار في السفر أو حمله على أنهم كانوا يصنعون به ما يقوم مقام الذكاة قال ابن وهب : إن ضم الجراد في غرائر فضمه ذلك ذكاة له وقد ذكر في الموكأ حديث عمر وقول كعب الأحبار في الجراد أنه من الحوت وبينت توهم كعب الأحبار في كتابي المسمى " كشف المغطى على الموطأ " .
وأما الدم فإنما نص الله على تحريمه لأن العرب كانت تأكل الدم كانوا يأخذون المباعر فيملأونها دما ثم يشوونها بالنار ويأكلونها وحكمة تحريم الدم أن شربه يورث ضراوة في الإنسان فتغلظ طباعه ويصير كالحيوان المفترس وهذا مناف لمقصد الشريعة لأنها جاءت لإتمام مكارم الأخلاق وإبعاد الإنسان عن التهور والهمجية ولذلك قيد في بعض الآيات بالمسفوح أي المهراق لأنه كثير لو تناوله الإنسان اعتاده أورثه ضراوة ولذا عفت الشريعة عما يبقى في العروق بعد خروج الدم المسفوح بالذبح أو النحر وقاس كثير من الفقهاء نجاسة الدم على تحريم أكله وهو مذهب مالك ومداركهم في ذلك ضعيفة ولعلهم راوا مع ذلك أن فيه قذارة .
والدم معروف مدلوله في اللغة وهو إفراز من المفرزات الناشئة عن الغذاء وبه الحياة وأصل خلقته في الجسد آت من انقلاب دم الحيض في رحم الحامل إلى جسد الجنين بواسطة المصران المتصل بين الرحم وجسد الجنين وهو الذي يقطع حين الولادة وتجدده في جسد الحيوان بعد بروزه من بن أمه يكون من الأغذية بواسطة هضم الكبد للغذاء المنحدر إليها من المعدة بعد هضمه في المعدة ويخرج من الكبد مع عرق فيها فيصعد إلى القلب الذي يدفعه إلى الشرايين وهي العروق الغليظة وإلى العروق الرقيقة بقوة حركة القلب بالفتح والإغلاق حركة ما كينية هوائية ثم يدور الدم في العروق متنقلا من بعضها إلى بعض بواسطة حركة القلب وتنفس الرئة وبذلك الدوران يسلم من التعفن فلذلك إذا تعطلت دورته حصة طويلة مات الحيوان .
ولحم الخنزير هو لحم الحيوان المعروف بهذا الاسم . وقد قال بعض المفسرين : إن العرب كانوا يأكلون الخنزير الوحش دون الإنسى أي لأنهم لم يعتادوا تربية الخنازير وإذا كان التحريم وارد على الخنزير الإنسي أولى بالتحريم أو مساو للوحشي .
وذكر اللحم هنا لأنه المقصود للأكل فلا دلالة في ذكره على إباحة شيء آخر منه ولا على عدمها فإنه قد يعبر ببعض الجسم على جميعه كقوله تعالى عن زكريا ( رب إني وهن العظم مني ) وأما نجاسته ونجاسة شعره أو إباحتها فذلك غرض آخر وهو ليس المراد من الآية .
A E
