وقد قيل في وجه اللحم هنا وتركه في قوله ( وإنما حرم عليكم الميتة ) وجوه قال ابن عطية : إن المقصد الدلالة على تحريم عينه ذكى أم لم يذك اه . ومراده بهذا ألا يتوهم متوهم أنه إنما يحرم إذا كان ميتة وفيه بعد وقال الآلوسي خصه لإظهار حرمته لأنهم فضلوه على سائر اللحوم فربما استعظموا وقوع تحريمه اه . يريد أ ذكره لزيادة التغليظ أي اللحم الذي تذكرونه بشراهة ولا أحسب ذلك لأن الذين استجادوا لحم الخنزير وهم الروم دون العرب وعندي أن إقحام لفظ اللحم هنا إما مجرد تفنن في الفصاحة وإما للإيماء إلى طهارة ذاته كسائر الحيوان وإنما المحرم أكله لئلا يفضي تحريمه للناس إلى قتله أو تعذيبه فيكون فيه حجة لمذهب مالك بطهارة عين الخنزير كسائر الحيوان الحي وإما للترخيص في الانتفاع بشعره ؛ لأنهم كانوا يغزون به الجلد .
وحكمة تحريم لحم الخنزير أنه يتناول القاذورات بإفراط فتنشأ في لحمه دودة مما يقتاته لا تهضمها معدته فإذا أصيب بها آكله قتلته .
ومن عجيب ما يتعرض له المفسرون والفقهاء البحث في حرمة خنزير الماء وهي مسألة فارغة إذ أسماء أنواع الحوت روعيت فيها المشابهة كما سموا بعض الحوت فرس البحر وبعضه حمام البحر وكلب البحر فكيف يقول أحد بتأثير الأسماء والألقاب في الأحكام الشرعية وفي المدونة توقف مالك أن يجيب في خنزير الماء وقال : أنتم تقولون خنزير . قال ابن شأس : رأي غير واحد أن توقف مالك حقيقة لعموم ( أحل لكم صيد البحر ) وعموم قوله تعالى ( ولحم الخنزير ) ورأى بعضهم أنه غير متوقف فيه وإنما امتنع من الجواب إنكارا عليهم تسميتهم إياه خنزير ولذلك قال أنتم تسمونه خنزير يعني أن العرب لم يكونوا يسمونه خنزير وأنه لا ينبغي تسميته خنزيرا ثم السؤال عن أكله حتى يقول قائلون أكلوا لحم الخنزير أي فيرجع كلام مالك إلى صون ألفاظ الشريعة ألا يتلاعب بها وعن أبي حنيفة أنه منع أكل خنزير البحر متردد أخذا بأنه سمي خنزيرا وهذا عجيب منه وهو المعروف بصاحب الرأي ومن أين لنا ألا يكون لذلك الحوت اسم آخر في لغة بعض العرب فيكون أكله محرما على فريق ومباحا لفريق .
وقوله تعالى ( وما أهل به لغير الله ) أي ما أعلن به أو نودي عليه بغير اسم الله تعالى وهو مأخوذ من أهل إذا رفع صوته بالكلام ومثله استهل ويقولون : اسهل الصبي صارخا إذا رفع صوته بالبكاء وأهل بالحج أو العمرة إذا رفع صوته بالتلبية عند الشروع فيهما والأقرب أنه مشتق من قول الرجل : هلا لقصد التنبيه المستلزم لرفع الصوت وهلا أيضا اسم صوت لزجر الخيل وقيل مشتق من الهلال لأنهم كانوا إذا رأوا الهلال نادى بعضهم بعضا وهو عندي من تلفيقات اللغويين وأهل الاشتقاق ولعل اسم الهلال إن كان مشتقا وكانوا يصيحون عند رؤيته وهو الذي اشتق من هل وأهل بمعنى رفع صوته لأن تصاريف أهل أكثر ولأنهم سموا الهلال شهرا من الشهرة كما سيأتي .
وكانت العرب في الجاهلية إذا ذبحت أو نحرت للصنم صاحوا باسم الصنم عند الذبح فقالوا باسم اللات أو باسم العزى أو نحوهما وكذلك كان عند الأمم التي يعبد آلهة إذا قربت لها القرابين وكان نداء المعبود ودعاؤه عند الذبح إليه عند اليونان كما جاء في الإلياذة لهوميروس .
فأهل في الآية مبني للمجهول أي ما أهل عليه المهل غير اسم الله وضمن أهل معنى تقرب فعدى لمتعلقه بالباء وباللام مثل تقرب فالضمير المجرور بالباء عائد إلى ما أهل وفائدة هذا التضمين تحريم ما تقرب به لغير الله تعالى سواء نودي عليه باسم المتقرب إليه أن لا والمراد بغير الله الأصنام ونحوها .
وأما ما يذبحه سودان بلدنا بنية أن الجن تشرب دمه ولا يذكرون اسم الله عليه زعما بأن الجن تفر من نورانية اسم الله فالظاهر أنه لا يجوز أكله وإن كان الذين يفعلونه مسلمين ولا يخرجهم ذلك عن الإسلام .
وقال ابن عرفه في تفسيره : الأظهر جواز أكله لأنه لم يهل به لغير الله .
A E