وقوله : فمن اضطر الخ الفاء فيه لتفريع الإخبار لا لتفريع المعنى فإن معنى رفع الحرج عن المضطر لا ينشأ عن التحريم والمضطر هو الذي ألجأته الضرورة أي الحاجة أي اضطر إلى أكل شئ من هذه المحرمات فلا إثم عليه وقوله ( غير باغ ولا عاد ) حال والبغي الظلم والعدوان المحاربة والقتال ومجي هذه الحال هنا للتنويه بشأن المضطر في حال إباحة هاته المحرمات له بأنه يأكلها يكون غير باغ ولا عاد لأن الضرورة تلجئ إلى البغي والاعتداء فالآية إيماء إلى علة الرخصة وهي رفع البغي والعدوان بين الأمة وهي أيضا إيماء إلى حد الضرورة وهي الحاجة التي يشعر عندها من لم يكن دأبه البغي والغدوان بأنه سيبغى ويعتدى وهذا تحديد منضبط فإن الناس متفاوتون في تحمل الجوع ولتفاوت الأمزجة في مقاومته ومن الفقهاء من يحدد الضرورة بخشية الهلاك ومرادهم الإفضاء إلى الموت والمرض وإلا فإن حالة الإشراف على الموت لا ينفع عندها الأكل فعلم أن نفي الإثم عن المضطر فيما يتناوله من هذه المحرمات منوط بحالة الاضطرار فإذا تناول ما أزال به الضرورة فقد عاد التحريم كما كان فالجائع يأكل من هاته المحرمات إن لم يجد غيرها أكلا يغنيه عن الجوع وإذا خاف أن تستمر به الحاجة كمن توسط فلاة في سفر أن يتزود من بعض هاته الأشياء حتى إن استغنى عنها طرحها لأنه لا يدري هل يتفق له وجدانها مرة أخرى ومن عجب الخلاف بين الفقهاء أن ينسب إلى أبي حنيفة والشافعي أن المضطر لا يشبع ولا يتزود خلافا لمالك في ذلك والظاهر أنه خلاف لفظي والله تعالى يقول ( إن الله غفور رحيم ) في معرض الامتنان فكيف يأمر الجائع بالبقاء على بعض جوعه ويأمر السائر بالإلقاء بنفسه إلى التهلكة إن لم يتزود وقد فسر قوله غير باغ ولا عاد بتفاسير أخرى : فمن الشافعي أنه غير الباغي والعادي على الإمام لا عاص بسفره فلا رخصة له فلا يجوز له أكل ذلك عند الاضطرار فأجاب المالكية : بأن عصيانه بالسفر لا يقتضي أن يؤمر بمعصية أكبر وهي إتلاف نفسه بترك أكل ما ذكر وهو إلجاء مكين .
ومما اختلفوا في قياسه على ضرورة الجوع ضرورة التداوي فقيل لا يتداوى بهاته المحرمات ولا بشيء مما حرم الله كالخمر وهذا قول مالك والجمهور ولم يزل الناس يستشكلونه لاتحاد العلة وهي حفظ الحياة وعندي أن وجهه أن تحقق العلة فيه منتف إذ لم يبلغ العلم بخصائص الأدوية ظن نفعها كلها إلا ما جرب منها وكم من أغلاط كانت للمتطببين في خصائص الدواء ونقل الفخر عن بعضهم إباحة تناول المحرمات في الأدوية وعندي أنه إذا وقع قوة ظن الأطباء الثفات بنفع الدواء المحرم من مرض عظيم وتعينه أو غلب ذلك في التجربة فالجواز قياسا على أكل المضطر وإلا فلا .
وقرأ أبو جعفر : فمن اضطر بكسر الطاء لأن أصله اضطرر براءين أولاهما مكسورة فلما أريد إدغام الراء الأولى في الثانية نقلت حركتها إلى الطاء بعد طرح حركة الطاء .
وقوله ( إن الله غفور رحيم ) تذييل قصد به الامتنان أي إن الله موصوف بهذين الوصفين فلا جرم أن يغفر للمضطر أكل الميتة لأنه رحيم بالناس فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عما تمكن المؤاخذة عليه لا بمعنى تجاوز الذنب ونحوه قوله A في رؤيا القليب " وفي نزعه ضعف والله يغفر له " .
ومعنى الآية : أن رفع الإثم عن المضطر حكم يناسب من اتصف بالمغفرة والرحمة .
( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم [ 174 ] ) A E