فأهل الكتاب رأوا أن المسلمين كانوا على شئ من البر باستقبالهم قبلتهم فلما تحولوا عنها لمزوهم بأنهم أضاعوا أمرا من أمور البر يقول عد عن هذا وأعرضوا عن تهويل الواهنين وهبوا أن قبلة الصلاة تغيرت أو كانت الصلاة بلا قبلة أصلا فهل ذلك أمر له أثر في تزكية النفوس واتصافها بالبر فذكر المشرق والمغرب اقتصار على أشهر الجهات أو هو للإشارة إلى قبلة اليهود وقبلة النصارى لإبطال تهويل الفريقين على المسلمين حين استقبلوا الكعبة ومنهم من جعله لكل من يسمع الخطاب .
والبر : سعة الإحسان وشدة المرضاة والخير الكامل الشامل ولذلك توصف به الأفعال القوية الإحسان فيقال : بر الوالدين وبر الحج وقال تعالى ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) والمراد به هنا بر العبد ربه بحسن المعاملة في تلقي شرائعه وأوامره .
ونفى البر عن استقبال الجهات مع أن منها ما هو مشروع كاستقبال الكعبة : إما لأنه من الوسائل ل من المقاصد فلا ينبغي أن يكون الاشتغال به قصارى همة المؤمنين ولذلك أسقطه الله عن الناس في حال العجز والنسيان وصلوات النوافل على الدابة في السفر ولذلك قال ( ولكن البر من آمن ) إلخ فإن ذلك كله من أهم مقاصد الشريعة وفيه جماع صلاح النفس والجماعة ونظير هذا قوله تعالى ( أجعلتم سقاية الحاج ) الآيات فيكون النفي على معنى نفي الكمال وإما لأن المنفى عنه البر هو استقبال قبلتي اليهود والنصارى فقد تقدم لنا أن ذلك الاستقبال غير مشروع في أصل دينهم ولكنه شئ استحسنه أنبياؤهم ورهبانهم ولذلك نفى البر عن تولية المشرق والمغرب تنبيها على ذلك .
وقرأ الجمهور ( ليس البر ) برفع البر على أنه اسم ليس والخبر هو أن تولوا وقرأه حمزة وحفص عن عاصم بنصب البر على أن قوله ( أن تولوا ) اسم ليس مؤخر ويكثر في كلام العرب تقديم الخبر على الاسم في باب كان وأخواتها إذا كان أحد معمولي هذا الباب مركبا من أن المصدرية وفعلها كان المتكلم بالخيار في المعمول الآخرين أن يرفعه وأن ينصبه وشأن اسم ليس أن يكون هو الجدير بكونه مبتدأ به فوجه قراءة رفه البر أن البر أمر مشهور معروف لأهل الأديان مرغوب للجميع فإذا جعل مبتدأ في حالة النفي أصغت الأسماع إلى الخبر وأما توجيه قراءة النصب فلأن أمر استقبال القبلة هو الشغل الشاغل لهم فإذا ذكر خبره قبله ترقب السامع المبتدأ فإذا سمعه تقرر في علمه .
وقوله ( ولكن البر من آمن ) إخبار عن المصدر باسم الذات للمبالغة كعكسه في قولها ( فإنما هي إقبال وإدبار ) وذلك كثير في الكلام ومنه قوله تعالى ( إن أصبح ماؤكم غورا ) وقول النابغة : .
وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل أي وعل هو مخافة أي خائف ومن قدر في مثله مضافا أي بر من آمن أو ولكن ذو البر فإنما عنى بيان المعنى لا أن هنالك مقدارا ؛ لأنه يخرج الكلام عن البلاغة إلى كلام مغسول كما قال التفتازاني وعن المبرد : لو كنت ممن يقرأ لقرأت ولكن البر بفتح الباء وكأنه أراد الاستغناء عن التقدير في الإخبار عن البر بجملة ( من آمن ) لأن من آمن هو البار لا نفس البر وكيف يقرأ كذلك والبر معطوف بلكن في مقابلة البر المثبت فهل يكون إلا عينه ولذا لم يقرأ أحد إلا البر بكسر الباء على أن القراءات مروية وليست اختيارا ولعل هذا لا يصح عن المبرد وقرأ نافع وابن عامر ولكن البر بتخفيف النون من لكن ورفع البر على الابتداء وقرأه بقية العشرة بتشديد نون لكن ونصب البر والمعنى واحد . وتعريف ( والكتاب ) تعريف الجنس المفيد للاستغراق أي آمن بكنب الله مثل التوراة والإنجيل والقرآن ووجه التعبير بصيغة المفرد أنها أخف مع عدم التباس التعريف بأن يكون للعهد ؛ لأن عطف النبيين على الكتاب قرينة على أن اللام في الكتاب للاستغراق فأوثرت صيغة المفرد طلبا لخفة اللفظ .
A E