وما يظن من أن استغراق المفرد المعرف باللام أشمل من استغراق الجمع المعرف بها ليس جاريا على الاستعمال وإنما توهمه السكاكي في المفتاح في قوله تعالى ( قال رب إني وهن العظم مني ) من كلام وقع في الكشاف وما نقل عن ابن عباس أنه قرأ قوله تعالى : كل آمن بالله وملائكته وكتابه وقال الكتاب أكثر من الكتب فلو صح ذلك عنه لم يكن مريدا به توجيه قراءته وكتابه المعرف بالإضافة بل عنى به الأسماء المنفية بلا التبرئة تفرقة بين نحو لا رجل في الدار ونحو رجال في الدار في تطرق احتمال نفي جنس الجموع لا جنس الأفراد على ما فيه من البحث فلا ينبغي التعلق بتلك الكلمة ولا يصح التعلق بما ذكره صاحب المفتاح .
والذي ينبغي اعتماده أن استغراق المفرد والجمع في المعرف باللام وفي المنفى بلا التبرئة سواء وإنما يختلف تعبير أهل اللسان مرة بصيغة الإفراد ومرة بصيغة الجمع تبعا لحكاية الصورة المستحضرة في ذهن المتكلم والمناسبة لمقام الكلام فأما في المنفى بلا النافية للجنس فلك أن تقول لا رجل في الدار ولا رجال في الدار على السواء إلا إذا رجح أحد التعبيرين مرجح لفظي وأما في المعرف باللام أو الإضافة فكذلك في صحة التعبير بالمفرد والجمع سوى أنه قد يتوهم احتمال إرادة العهد وذلك يعرض للمفرد والدمع ويندفع بالقرائن .
وعلى في قوله ( على حبه ) مجاز في التمكن من حب المال مثل ( أولئك على هدى ) وهي في مثل هذا المقام للتنبيه على أبعد الأحوال من مظنة الوصف فلذلك تفيد مفاد كلمة مع وتدل على معنى الاحتراس كما هي في قوله تعالى ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ) وقول زهير : .
من يلق يوما على علاته هرما ... يلق السماحة فيه والندى خلقا قال الأعلم في شرحه أي فكيف به وهو على غير تلك الحالة اه .
وليس هذا معنى مستقلا من معاني على بل هو استعلاء مجازي أريد به تحقق ثبوت مدلول مدخولها لمعمول متعلقها لأنه لبعد وقوعه يحتاج إلى التحقيق والضمير للمال لا محالة والمراد أنه يعطي المال مع حبه للمال وعدم زهادته فيه فيدل على أنه إنما يعطيه مرضاة لله تعالى ولذلك كان فعله هذا برا .
وذكر أصنافا ممن يؤتون المال لأن إتيانهم المال ينجم عنه خيرات ومصالح .
فذكر ذوي القربى أي أصحاب قرابة المعطى فاللام في القربى عوض عن المضاف إليه أمر المرء بالإحسان إليهم لأن مواساتهم تكسبهم محبتهم إياه والتئامهم وهذا التئام القبائل الذي أراده الله بقوله ( لتعارفوا ) فليس مقيدا بوصف فقرهم كما فسر به بعض المفسرين بل ذلك شامل للهدية لأغنيائهم وشامل للتوسعة على المتضائقين وترفيه عيشتهم إذ المقصود هو التحابب . ثم ذكر اليتامى وهم مظنة الضعف لظهور أن المراد اليتيم المحتاج حاجة دون الفقر وإنما هو فاقد ما كان ينيله أبوه من رفاهية عيش فإيتاؤهم المال يجبر صدع حياتهم وذكر السائلين وهم الفقراء والمسكنة : الذل مشتقة من السكون ووزن مسكين مفعيل للمبالغة مثل منطيق والمسكين الفقير الذي أذله الفقر وقد اتفق أئمة اللغة أن المسكين غير الفقير فقيل هو أقل فقرا من الفقير وقيل هو أشد فقرا وهذا قول الجمهور وقد يطلق أحدهما في موضع الآخر إذا لم يجتمعا وقد اجتمع في قوله تعالى ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين ) ونظيرها في ذكر هؤلاء الأربعة قوله تعالى ( يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل ) .
وذكر السائلين وهم الفقراء كنى عنهم بالسائلين لأن شأن المرء أن تمنعه نفسه من أن يسأل الناس لغير حاجة غالبا .
A E
