فالسؤال علامة الحاجة غالبا ولو أدخل الشك في العلامات الاعتيادية لارتفعت الأحكام فلو تحقق غنى السائل لما شرع إعطاؤه لمجرد شؤاله ورووا : للسائل حق ولو جاء راكبا على فرس وهو ضعيف . وذكر ابن السبيل وهو الغريب أعنى الضيف في البوادي ؛ إذ لم يكن في القبائل نزل أو خانات أو فنادق ولم يكن السائر يستصحب معه المال وإنما يحمل زاد يومه ولذلك كان حق الضيافة فرضا على المسلمين أي في البوادي ونحوها . وذكر الرقاب والمراد فداء الأسرى وعتق العبيد . ثم ذكر الزكاة وهي حق المال لأجل الغنى ومصارفها مذكورة في آيتها وذكر الوفاء بالعهد لما فيه من الثقة بالمعاهد ومن كرم النفس وكون الجد والحق لها دربة وسجية وإنما قيد بالظرف وهو إذا عاهدوا أي وقت حصول العهد فلا يتأخر وفاؤهم طرفة عين وفيه تنبيه على وجوب الاحتياط عند بذل العهد بحيث لا يعاهد حتى يتحقق أنه يستطيع الوفاء كأنه يقول : فإن علموا ألا يفوا فلا يعاهدوا . وعطف ( والموفون ) على ( من آمن بالله ) وغير أسلوب الوصف فلم يقل ومن أوفى بعده للدلالة على مغايرة الوصفين بأن الأول من علائق حق الله تعالى وأصول الدين والثاني من حقوق العباد .
وذكر الصابرين في البأساء لما في الصبر من الخصائص التي ذكرناها عند قوله تعالى ( واستعينوا بالصبر والصلوة ) ثم ذكر مواقعه التي لا يعدوها وهي حالة الشدة وحالة الضر وحالة القتال فالبأساء والضراء اسمان على وزن فعلاء وليسا وصفين إذ لم يسمع لهما أفعل مذكرا والبأساء مشتقة من البؤس وهو سوء الحالة من فقر ونحوه من المكروه قال الراغب : وقد غلب في الفقر ومنه البئيس الفقير فالبأساء الشدة في المال . والضراء شدة الحال على الإنسان مشتقة من الضر ويقابلها السراء وهي ما يسر الإنسان من أحواله والبأس النكاية والشدة في الحرب ونحوها كالخصومة ( قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد ) ( بأسهم بينهم شديد ) والشر أيضا بأس والمراد به هنا الحرب .
فلله هذا الاستقراء البديع الذي يعجز عنه كل خطيب وحكيم غير العلام الحكيم وقد جمعت هذه الخصال جماع الفضائل الفردية والاجتماعية الناشئ عنها صلاح أفراد المجتمع من أصول العقيدة وصالحات الأعمال .
فالإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها والمواساة تقوى عنها الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة ويبذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحرارا . والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية وهي عنوان كمال النفس وفضيلة اجتماعية وهي ثقة الناس بعضهم ببعض .
والصبر فيه جماع الفضائل وشجاعة الأمة ولذلك قال تعالى هنا ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) فحصر فيهم الصدق والتقوى حصرا ادعائيا للمبالغة . ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر وفيه تعريض بأن أهل الكتاب لم يتحقق فيهم لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيين ولأنهم حرموا كثيرا من الناس حقوقهم ولم يفوا بالعهد ولم يصبروا . وفيها أيضا تعريض بالمشركين إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر والنبيين والكتاب وسلبوا اليتامى أموالهم ولم يقيموا الصلاة ولم يؤتوا الزكاة .
ونصب ( الصابرين ) وهو معطوف على مرفوعات نصب على الاختصاص على ما هو المتعارف في كلام العرب في عطف النعوت من تخيير المتكلم بين الإتباع في الإعراب للمعطوف عليه وبين القطع قاله الرضى والقطع يكون بنصب ما حقه أن يكون مرفوعا أو مجرورا وبرفع ما هو بعكسه ليظهر قصد المتكلم القطع حين يختلف الإعراب ؛ إذ لا يعرف أن المتكلم قصد القطع إلا بمخالفة الإعراب فأما النصب فبتقدير فعل مدح أو ذم بحسب المقام والأظهر تقدير فعل ( أخص ) لأنه يفيد المدح بين الممدوحين والذم بين المذمومين .
وقد حصل بنصب ( الصابرين ) هنا فائدتان : إحداهما عامة في كل قطع من النعوت فقد نقل عن أبي على الفارسي أنه إذا ذكرت الصفات الكثيرة في معرض المدح أو الذم فالأحسن أن يخاف إعرابها ولا تجعل كلها جارية على موصوفها لأن هذا من مواضع الإطناب فإذا خولف إعراب الأوصاف كان المقصود أكمل لأن الكلام عند اختلاف الإعراب يصير كأنه أنواع من الكلام وضروب من البيان .
A E
