قال في الكشاف " نصب على المدح وهو باب واسع كسره سيبويه على أمثلة وشواهد " اه . قلت : قال سيبويه في باب ما ينتصب على التعظيم والمدح " وإن شئت جعلته صفة فجرى على الأول وإن شئت قطعته فابتدأته مثل ذلك قوله تعالى ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) إلى قوله ( والصابرين ) ولو رفع الصابرين على أول الكلام كان جيدا ولو ابتدأته فرفعته على الابتداء كان جيدا ونظير هذا النصب قول الخرنق : .
لا يبعدن قومي الذين هموا ... سم العداة وآفة الجزر .
النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر بنصب النازلين ثم قال : وزعم الخليل أن نصب هذا على أنك لم ترد أن تحدث الناس ولا من تخاطب بأمر جهلوه ولكنهم قد علموا من ذلك ما قد علمت فجعلته ثناء وتعظيما ونصبه على الفعل كأنه قال أذكر أهل ذلك وأذكر المقيمين ولكنه فعل لا يستعمل إظهاره " اه قلت : يؤيد هذا الوجه أنه تكرر مثله في نظائر هذه الآية في سورة النساء ( والمقيمين الصلوة ) عطفا على ( لكن الراسخون في العلم ) وفي سورة العقود والصابئون عطفا على ( إن الذين آمنوا والذين هادوا ) .
الفائدة الثانية في نصب الصابرين بتقدير أخص أو أمدح تنبيها على خصيصية الصابرين ومزية صفتهم التي هي الصبر .
قال في الكشاف " ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنا في خط المصحف وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب ولم يعرف مذاهب العرب ومالهم في النصب على الاختصاص من الافتنان اه " وأقول : إن تكرره كما ذكرنا وتقارب الكلمات يربأ به عن أن يكون خطأ أو سهوا وهو بين كلمتين مخالفتين إعرابه .
وعن الكسائي أن نصبه عطف على مفاعيل آتى أي وآتى المال الصابرين أي الفقراء المتعففين عن المسألة حين تصيبهم البأساء والضراء والصابرين حين البأس وهم الذين لا يجدون ما ينفقون للغزو ويحبون أن يغزوا لأن فيهم غناء عن المسلمين قال تعالى ( ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا أن لا يجدوا ما ينفقون ) . وعن بعض المتأولين أن نصب والصابرين وقع خطأ من كتاب المصاحف وأنه مما أراده عثمان رضى الله عنه فيما نقل عنه أنه قال بعد أن قرأ المصحف الذي كتبوه " إني أجد به لحنا ستقيمه العرب بألسنتها " وهذا متقول على عثمان ولو صح لكان يريد باللحن ما في رسم المصاحف من إشارات مثل كتابة الألف في صورة الياء إشارة إلى الإمالة ولم يكن اللحن يطلق على الخطأ . وقرأ يعقوب ( والصابرون ) بالرفع عطفا على ( والموقوف ) .
( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) أعيد الخطاب بيا أيها الذين آمنوا لأن هذا صنف من التشريع لأحكام ذات بال في صلاح المجتمع الإسلامي واستتباب نظامه وأمنه حين صار المسلمون بعد الهجرة جماعة ذات استقلال بنفسها ومدينتها فإن هاته الآيات كانت من أول ما أنزل بالمدينة عام الهجرة كما ذكره المفسرون في سبب نزولها في تفسير قوله تعالى بعد هذا ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) الآية .
تلك أحكام متتابعة من إصلاح أحوال الأفراد وأحوال المجتمع وابتدئ بأحكام القصاص لأن أعظم شئ من اختلال الأحوال اختلال حفظ نفوس الأمة وقد أفرط العرب في إضاعة هذا الأصل يعلم ذلك من له إلمام بتاريخهم وآدابهم وأحوالهم فقد بلغ بهم تطرفهم في ذلك إلى وشك الفناء لو طال ذلك فلم يتداركهم الله فمه بنعمة الإسلام فكانوا يغير بعضهم على بعض لغنيمة أنعامه وعبيده ونسائه فيدافع المغار عليه وتتلف نفوس بين الفريقين ثم ينشأ عن ذلك طلب الثارات فيسعى كل من قتل له قتيل في قتل قاتل وليشه وإن أعوزه ذلك قتل به غيره من واحد كفء له أو عدد يراهم لا يوازونه ويسمون ذلك بالتكايل في الدم أي كأن دم الشريف يكال بدماء كثيرة فربما قدروه باثنين أو بعشرة أو بمائة وهكذا يدور الأمر ويتزايد تزايدا فاحشا حتى يصير تفانيا قال زهير : .
تدار كتما عبسا وذبيان بعدما ... تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم A E
