وينتقل الأمر من قبيلة إلى قبيلة بالولاء والنسب والحلف والنصرة حتى صارت الإحن فاشية فتخاذلوا بينهم واستنصر بعض القبائل على بعض فوجد الفرس والروم مدخلا إلى التفرقة بينهم فحكموهم وأرهبوهم وإلى هذا الإشارة والله أعلم بقوله تعالى ( واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبهم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ) أي كنتم أعداء بأسباب الغارات والحروب فألف بينكم بكلمة الإسلام وكنتم على وشك الهلاك فأنقذكم منه فضرب مثلا للهلاك العاجل الذي لا يبقى شيئا بحفرة النار فالقائم على حافتها ليس بينه وبين الهلاك إلا أقل حركة .
فمعنى كتب عليكم أنه حق لازم للأمة لا محيد عن الأخذ به فضمير عليكم لمجموع الأمة على الجملة لمن توجه له حق القصاص وليس المراد على كل فرد فرد القصاص لأن ولى الدم له العفو عن دم وليه كما قال تعالى ( فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف ) وأصل الكتابة نقش الحروف في حجر أو رقش أو ثوب ولما كان ذلك النقش يراد به التوثق لما نقش به ودوام تذكره أطلق كتب على المعنى حق وثبت أي حق لأهل القتيل .
والقصاص اسم لتعويض حق جناية أو حق غرم على أحد بمثل ذلك من عند المحقوق إنصافا وعدلا فالقصاص يطلق على عقوبة الجاني بمثل ما جنى وعلى محاسبة رب الدين بما عليه للمدين من دين يفي بدينه فإطلاقاته كلها تدل على التعادل والتناصف في الحقوق والتبعات المعروضة للغمص .
وهو بوزن فعال وهو وزن مصدر فاعل من القص وهو القطع ومنه قولهم : طائر مقصوص الجناح ومنه سمى المقص لآلة القص أي القطع وقصة الشعر بضم القاف ما يقص منه لأنه يجرى في حقين متبادلين بين جانبين يقال قاص فلان فلانا إذا طرح من دين في ذمته مقدارا يدين له في ذمة الآخر فشبه التناصف بالقطع لأنه يقطع النزاع الناشب قبله فلذلك سمى القود وهو تمكين ولي المقتول من قتل قاتل مولاه قصاصا قال تعالى ( ولكم في القصاص حياة ) وسميت عقوبة من يجرح أحدا جرحا عمدا عدوانا بأن يجرح ذلك الجارح مثل ما جرح غيره قصاصا قال تعالى ( والجروح قصاص ) وسموا معاملة المعتدى بمثل جرمه قصاصا ( والحرمات قصاص ) فماهية القصاص تتضمن ماهية التعويض والتماثل .
فقوله تعالى ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) يتحمل معنى الجزاء على القتل بالقتل للقاتل وتتحمل معنى التعادل والتماثل في ذلك الجزاء بما هو كالعوض له والمثل وتتحمل معنى أنه لا يقتل غير القاتل ممن لا شركة له في قتل القتيل فأفاد قوله ( كتب عليكم ) حق المؤاخذة بين المؤمنين في قتل القتلى فلا يذهب حق قتيل باطلا ولا يقتل غير القاتل باطلا وذلك إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية من إهمال دم الوضيع إذا قتله الشريف وإهمال حق الضعيف إذا قتله القوي الذي يخشى قومه ومن تحكمهم بطلب قتل غير القاتل إذا قتل أحد رجلا شريفا يطلبون قتل رجل شريف مثله بحيث لا يقتلون القاتل إلا إذا كان بواء للمقتول أي كفءا له في الشرف والمجد ويعتبرون قيمة الدماء متفاوتة بحسب تفاوت السؤدد والشرف ويسمون ذلك التفاوت تكايلا من الكيل قالت ابنة بهدل بن قرقة الطائي تستثير رهطها على قتل رجل قتل أباها وتذكر أنها ما كانت تقنع بقتله به لولا أن الإسلام أبطل تكايل الدماء : .
أما في بني حصن من ابن كريهة ... من القوم طلاب الترات غشمشم .
فيقتل جبرا يامرئ لم يكن له ... بواء ولكن لا تكايل بالدم قال النبي A المسلمون تتكافأ دماؤهم .
A E