وقد ثبت بهذه الآية شرع القصاص في قتل العمد وحكمة ذلك ردع أهل العدوان عند الإقدام على قتل الأنفس إذا علموا أن جزاءهم القتل فإن الحياة أعز شئ على الإنسان في الجبلة فلا تعادل عقوبة القتل في الردع والانزجار ومن حكمة ذلك تطمين أولياء القتلى بأن القضاء ينتقم لهم ممن اعتدى على قتيلهم قال تعالى ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا ) أي لئلا يتصدى أولياء القتيل للانتقام من قاتل مولاهم بأنفسهم ؛ لأن ذلك يفضي إلى صورة الحرب بين رهطين فيكثر فيه إتلاف الأنفس كما تقدم في الكلام على صدر الآية ويأتي عند قوله تعالى ( ولكم في القصاص حياة ) . وأول دم أفيد به في الإسلام دم رجل من هذيل قتله رجل من بني ليث فأقاد منه النبي A وهو سائر إلى فتح الطائف بموضع يقال له : بحرة الرغاء في طريق الطائف وذلك سنة ثمان من الهجرة .
وفي من قوله : ( في القتلى ) للظرفية المجازية والقصاص لا يكون في ذوات القتلى فتعين تقدير مضاف وحذفه هنا ليشمل القصاص سائر شئون القتلى وسائر معاني القصاص فهو إيجاز وتعميم .
وجمع القتلى باعتبار جمع المخاطبين أي في قتلاكم والتعريف في القتلى تعريف الجنس والقتيل هو من يقتله غيره من الناس والقتل فعل الإنسان إماتة إنسان آخر فليس الميت بدون فعل فاعل قتيلا .
وجملة ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) بين وتفصيل لجملة كتب عليكم القصاص في القتلى فالباء في قوله : بالحر وما بعده متعلقة بمحذوف دل عليه معنى القصاص والتقدير الحر يقتص أو يقتل بالحر الخ ومفهوم القيد مع ما في الحر والعبد والأنثى من معنى الوصفية يقتضي أن الحر يقتل بالحر لا بغيره والعبد يقتل بالعبد لا بغيره والأنثى تقتل بالأنثى لا بغيرها وقد اتفق علماء الإسلام على أن هذا المفهوم غير معمول به باطراد لكنهم اختلفوا في المقدار المعمول به منه بحسب اختلاف الأدلة الثابتة من الكتاب والسنة وفي المراد من هذه الآية ومحمل معناها ففي الموطأ ( قال مالك أحسن ما سمعت في هذه الآية أن قوله تعالى ( الحر بالحر والعبد بالعبد ) فهؤلاء الذكور وقوله ( والأنثى بالأنثى ) أن القصاص يكون بين الإناث كما يكون بين الذكور والمرأة الحرة تقتل بالمرأة الحرة كما يقتل الحر بالحر والأمة تقتل بالأمة كما يقتل العبد بالعبد والقصاص يكون بين النساء كما يكون بين الرجال . والقصاص أيضا يكون بين الرجال والنساء ) .
أي وخصت الأنثى بالذكر مع أنها مشمولة لعموم الحر بالحر والعبد لئلا يتوهم أن صيغة التذكير في قوله ( الحر ) وقوله ( العبد ) مراد بها خصوص الذكور .
قال القرطبي عن طائفة أن الآية جاءت مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه فبينت حكم الحر إذا قتل حرا والعبد إذا قتل عبدا والأنثى إذا قتلت أنثى ولم يتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر فالآية محكمة وفيها إجمال يبينه قوله تعالى ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس ) الآية اه . وعلى هذا الوجه فالتقييد لبيان عدم التفاضل في أفراد النوع ولا مفهوم له فيما عدا ذلك من تفاضل الأنواع إثباتا ولا نفيا وقال الشعبي : نزلت في قوم قالوا : لنقتلن الحر بالعبد والذكر بالأنثى . وذلك وقع في قتال بين حيين من الأنصار ولم يثبت هذا الذي رواه وهو لا يغنى في إقامة محمل الآية .
وعلى هذين التأويلين لا اعتبار بعموم مفهوم القيد ؛ لأن شرط اعتباره إلا يظهر لذكر القيد سبب إلا الاحتراز عن نقيضه فإذا ظهر سبب غير الاحتراز بطل الاحتجاج بالمفهوم وحينئذ فلا دلالة في الآية على ألا يقتل حر بعبد ولا أنثى بذكر ولا على عكس ذلك وإن دليل المساواة بين الأنثى والذكر وعدم المساواة بين العبد والحر عند من نفى المساواة مستنبط من أدلة أخرى .
الثالث : نقل عن ابن عباس : أن هذا كان حكما في صدر الإسلام ثم نسخ بآية المائدة ( أن النفس بالنفس ) ونقله في الكشاف عن سعيد بن المسيب والنخعي والثوري وأبي حنيفة ورده ابن عطية والقرطبي بأن أية المائدة حكاية عن بني إسرائيل فكيف تصلح نسخا لحكم ثبت في شريعة الإسلام أي حتى على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا فمحله ما لم يأت في شرعنا خلافه .
A E
