وقال ابن العربي في الأحكام عن الحنفية : إن قوله تعالى ( في القتلى ) هو نهاية الكلام وقوله ( الحر بالحر ) جاء بعد ذلك وقد ثبت عموم المساواة بقوله ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) لأن القتلى عام وخصوص آخر الآية لا يبطل عموم أولها ولذلك قالوا يقتل الحر بالعبد قلت : يرد على هذا أنه لا فائدة في التفصيل لو لم يكن مقصودا وإن الكلام بأواخره فالخاص يخصص العام لا محالة وإنه لا محيص من اعتبار كونه تفصيلا إلا أن يقولوا إن ذلك كالتمثيل والمنقول عن الحنفية في الكشاف هو ما ذكرناه آنفا .
ويبقى بعد هاته التأويلات سؤال قائم عن وجه تخصيص الأنثى بعد قوله تعالى : ( الحر بالحر والعبد بالعبد ) وهل تخرج الأنثى عن كونها حرة أو أمة بعد ما تبين أن المراد بالحر والعبد الجنسان ؛ إذ ليس صيغة الذكور فيها للاحتراز عن النساء منهم ؛ فإن ( ال ) لما صيرته اسم جنس صار الحكم على الجنس وبطل ما فيه من صيغة تأنيث كما يبطل ما فيه من صيغة جمع إن كانت فيه .
ولأجل هذا الإشكال سألت العلامة الجد الوزير رحمة الله عن وجه مجيء هذه المقابلة المشعرة بألا يقتص من صنف إلا لقتل مماثلة في الصفة فترك لي ورقة بخطه فيها ما يأتي الظاهر والله تعالى أعلم أن للآية " يعني آية سورة المائدة " نزلت إعلاما بالحكم في بني إسرائيل تأنيسا وتمهيدا لحكم الشريعة الإسلامية ولذلك تضمنت إناطة الحكم بلفظ النفس المتناول للذكر والأنثى الحر والعبد الصغير والكبير ولم تتضمن حكما للعبيد ولا للإناث وصدرت بقوله ( وكتبنا عليهم فيها ) والآية الثانية ( يعني آية سورة البقرة ) صدرت بقوله ( كتب عليكم ) وناط الحكم فيها بالحرية المتناولة للأصناف كلها ثم ذكر حكم العبيد والإناث ردا على من يزعم أنه لا يقتص لهم وخصص الأنثى للدلالة على أن دمها معصوم وذلك لأنه إذا اقتص لها من لطف التبليغ حيث كان الحكم متضمنا لدليله فقوله : .
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول حكم جاهلي اهو يعني أن الآية لم يقصد منها إلا إبطال ما كان عليه أمر الجاهلية من ترك القصاص لشرف أو لقلة اكتراث فقصدت التسوية بقوله الحر بالحر والعبد بالعبد أي لا فضل لحر شريف على حر ضعيف ولا لعبيد السادة على عبيد العامة وقصدت من ذكر الأنثى إبطال ما كان عليه الجاهلية من عدم الاعتداد بجناية الأنثى واعتبارها غير مؤاخذة بجناياتها وأراد بقوله : حكم جاهلي أنه ليس جاريا على أحكام الإسلام ؛ لأن البيت لعمر ابن أبي ربيعة وهو شاعر إسلامي من صدر الدولة الأموية .
فإن قلت : كان الوجه ألا يقول ( بالأنثى ) المشعر بأن الأنثى لا تقتل بالرجل مع إجماع المسلمين على أن المرأة يقتص منها للرجل . قلت : الظاهر أن القيد حرج محرج الغالب فإن الجاري في العرف أن الأنثى لا تقتل إلا أنثى إذ لا يتشاور الرجال والنساء فذكر ( بالأنثى ) خارج على اعتبار الغالب كمخرج وصف السائمة في قول النبي A " في الغنم السائمة الزكاة " والخلاصة أن الآية لا يلتئم منها معنى سليم من الإشكال إلا معنى إرادة التسوية بين الأصناف لقصد إبطال عوائد الجاهلية .
وإذا تقرر أن الآية لا دلالة لها على نفي القصاص بين الأصناف المختلفة ولا على إثباته من جهة ما ورد على كل تأويل غير ذلك من انتقاض بجهة أخرى فتعين أن قوله ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) محملة الذي لا شك فيه هو مساواة أفراد كل صنف بعضها مع بعض دون تفاضل بين الأفراد ثم أدلة العلماء في تسوية القصاص بين بعض الأصناف مع بعض الذكور بالإناث وفي عدمها كعدم تسوية الأحرار بالعبيد عند الذين لا يسوون بين صنفيهما خلافا لأبي حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وداود أدلة أخرى غير هذا القيد الذي في ظاهر الآية فأما أبو حنيفة فأخذ بعموم قوله ( القتلى ) ولم يثبت له مخصصا ولم يستثن منه إلا القصاص بين المسلم والكافر الحربي واستثناؤه لا خلاف فيه ووجهه أن الحربي غير معصوم الدم وأما المعاهد ففي حكم قتل المسلم إياه مذاهب وأما الشافعي وأحمد فنفيا القصاص من المسلم للذمي والمعاهد وأخذا بحديث لا يقتل مسلم بكافر ومالك والليث قالا لا قصاص من المسلم إذا قتل الذمي والمعاهد قتل عدوان وأثبتا القصاص منه إذا قتل غيلة .
A E