وأما القصاص بين الحر والعبد في قطع الأطراف فليس من متعلقات هذه الآية وسيأتي عند قوله تعالى ( والجروح قصاص ) في سورة العقود . ونفى مالك والشافعي وأحمد القصاص من الحر للعبد استنادا لعمل الخلفاء الراشدين وسكوت الصحابة واستنادا لآثار مروية وقياسا على انتفاء القصاص من الحر في إصابة أطراف العبد فالنفس أولى بالحفظ . والقصاص من العبد لقتله الحر ثابت عندهما بالفحوى والقصاص من الذكر لقتل الأنثى ثابت بلحن الخطاب .
( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ) الفاء لتفريع الإخبار أي لمجرد الترتيب اللفظي لا لتفريع حصول ما تضمنته الجملة المعطوفة بها على حصول ما تضمنته ما قبلها والمقصود بيان أن أخذ الولي بالقصاص المستفاد من صور كتب عليكم القصاص في القتلى ليس واجبا عليه ولكنه حق له فقط لئلا يتوهم من قوله ( كتب عليكم ) أن الأخذ به واجب على ولى القتيل والتصدي لتفريع ذكر هذا بعد ذكر حق القصاص للإيماء إلى أن الأولى بالناس قبول الصلح استبقاء لأواصر أخوة الإسلام . قال الأزهري : " هذه آية مشكلة وقد فسروها تفسيرا قربوه على قدر إفهام أهل عصرهم " ثم أخذ الأزهري في تفسيرها بما لم يكشف معنى وما أزال إشكالا وللمفسرين مناح كثيرة في تفسير ألفاظها ذكر القرطبي خمسة منها وذكر في الكشاف تأويلا آخر وذكر الطيبي تأويلين راجعين إلى تأويل الكشاف واتفق جميعهم على أن القصد منها الترغيب في المصالحة عن الدماء وينبغي ألا نذهب بإفهام الناظر طرائق قددا فالقول الفصل أن نقول : إن ما صدق من في قوله ( فمن عفي له ) هو ولي المقتول وإن المراد بأخيه هو القاتل وصف بأنه أخ تذكيرا بأخوة الإسلام وترقيقا لنفس ولي المقتول ؛ لأنه إذا اعتبر القاتل أخا له كان من المروءة ألا يرضى بالقود منه ؛ لأنه كمن رضى بقتل أخيه ولقد قال بعض العرب : قتل أخوه ابنا له عمدا فقدم إليه ليقتاد منه فألقى السيف وقال : .
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد .
كلاهما خلف فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي وما صدق ( شيء ) هو عوض الصلح ولفظ شيء اسم متوغل في التفكير دال على نوع ما يصلح له سياق الكلام وقد تقدم حسن موقع كلمة شيء عند قوله تعالى ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ) ومعنى ( عفي له من أخيه ) أنه أعطى العفو أي الميسور على القاتل من عوض الصلح . ومن معاني العفو أنه الميسور من المال الذي لا يجحف بباذله وقد فسر به العفو من قوله تعالى ( خذ العفو ) وإيثار هذا الفعل لأنه يؤذن بمراعاة التيسير والسماحة وهي من خلق الإسلام فهذا تأكيد للترغيب الذي دل عليه قوله ( من أخيه ) والتعبير عن عوض الدم بشيء لأن العوض يختلف فقد يعرض على ولي الدم مال من ذهب أو فضة وقد يعرض عليه إبل أو عروض أو مقاصة دماء بين الحيين ؛ إذ ليس العوض في قتل العمد معينا كما هو في دية قتل الخطأ .
( واتباع ) ( وأداء ) مصدران وقعا عوضا عن فعلين والتقدير : فليتبع اتباعا وليؤد أداء فعدل عن أن ينصب على المفعولية المطلقة إلى الرفع لإفادة معنى الثبات والتحقيق الحاصل بالجملة الاسمية كما عدل إلى الرفع في قوله تعالى ( قال سلام ) بعد قوله ( قالوا سلاما ) وقد تقدم تطور المصدر الذي أصله مفعول مطلق إلى مصيره مرفوعا عند قوله تعالى ( الحمد لله ) فنظم الكلام : فاتباع حاصل ممن عفي له من أخيه شئ وأداء حاصل من أخيه إليه وفي هذا تحريض أن عفي له على أن يقبل ما عفي له وتحريض لأخيه على أداء ما بذله بإحسان .
والاتباع مستعمل في القبول والرضا أي فليرض بما عفي له كقول النبي A " وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع ) .
والضمير المقدر في اتباع عائد إلى من عفي له والضمير المقدر في أداء عائد إلى أخيه والمعنى : فليرضى بما بذل له من الصلح المتيسر وليؤد باذل الصلح ما بذله دون مماطلة ولا نقص والضمير المجرور باللام والضمير المجرور بإلى عائدان على ( فمن عفي له )
