( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين [ 180 ] ) A E استئناف ابتدائي لبيان حكم المال بعد موت صاحبه فإنه لم يسبق له تشريع ولم يفتتح ب ( يا أيها الذين آمنوا ) لأن الوصية كانت معروفة قبل الإسلام فلم يكن شرعها إحداث شيء غير معروف لذلك لا يحتاج فيها إلى مزيد تنبيه لتلقي الحكم ومناسبة ذكره أنه تغيير لما كانوا عليه في أول الإسلام من بقايا عوائد الجاهلية في أموال الأموات فإنهم كانوا كثيرا ما يمنعون القريب من الإرث بتوهم أنه يتمنى موت قريبه ليرثه وربما فضلوا بعض الأقارب على بعض ولما كان هذا مما يفضي بهم إلى الإحن وبها تحتل الحالة الاجتماعية بإلقاء العداوة بين الأقارب كما قال طرفة : .
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهن كان تغييرها إلى حال العدل فيها من أهم مقاصد الإسلام كما بينا تفصيله فيما تقدم في آية ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) .
أما مناسبة ذكره عقب حكم القصاص فهو جريان ذكر موت القتيل وموت القاتل قصاصا .
والقول في ( كتب ) تقدم في الآية السابقة وهو ظاهر في الوجوب قريب من النص فيه . وتجريده من علامة التأنيث مع كون مرفوعه مؤنثا لفظا لاجتماع مسوغين للتجريد وهما كون التأنيث غير حقيقي وللفصل بينه وبين الفعل بفاصل وقد زعم الشيخ الرضي أن اجتماع هذين المسوغين يرجح تجريد الفعل عن علامة التأنيث والدرك عليه .
ومعنى حضور الموت حضور أسبابه وعلاماته الدالة على أن الموت المتخيل للناس قد حضر عند المريض ونحوه ليصيره ميتا قال تأبط شرا .
" والموت خزيان ينظر فإن حضور الشيء حلوله ونزوله وهو ضد الغيبة فليس إطلاق حضر هنا من قبيل إطلاق الفعل على مقاربة الفعل نحو قد قامت الصلاة ولا على معنى إرادة الفعل كما في ( إذا قمتم إلى الصلاة ) ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ) ولكنه إسناد مجازي إلى الموت لأنه حضور أسبابه وأما الحضور فمستعار للعرو والظهور ثم إن إطلاق الموت على أسبابه شائع قال رويشد بن كثير الطائي : .
وقل لهم بادروا بالعفو والتمسوا ... قولا يبرؤكم إني أنا الموت والخير المال وقيل الكثير منه والجمهور على أن الوصية مشروعة في المال قليله وكثيره وروى عن علي وعائشة وابن عباس ( أن الوصية لا تجب إلا في المال الكثير ) .
كانت عادة العرب في الجاهلية أن الميت إذا كان له ولد أو أولاد ذكور استأثروا بماله كله وإن لم يكن له ولد ذكر استأثر بماله أقرب الذكور له من أب أو عم أو ابن عم الأدنين فالأدنين وكان صاحب المال ربما أوصى ببعض ماله أو بجميعه لبعض أولاده أو قرابته أو أصدقائه فلما استقر المسلمون بدار الهجرة واختصوا بجماعتهم شرع الله لهم تشريك بعض القرابة في أموالهم ممن كانوا قد يهملون توريثه من البنات والأخوات والوالدين في حال وجود البنين ولذلك لم يذكر الأبناء في هذه الآية .
وعبر بفعل ( ترك ) وهو ماض عن معنى المستقبل أي إن يترك للتنبيه على اقتراب المستقبل من المضي إذا أوشك أن يصير ماضيا والمعنى : إن أوشك أن يترك خيرا أو شارف أو يترك خيرا كما قدروه في قوله تعالى ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ) في سورة النساء وقوله تعالى ( إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) في سورة يونس أي حتى يقاربوا رؤية العذاب .
والوصية فعيلة من وصى فهي الموصى بها فوقع الحذف والإيصال ليتأتى بناء فعيلة بمعنى مفعوله ؛ لأن زنة فعيلة لا تبنى من القاصر .
والوصية الأمر بفعل شيء أو تركه مما فيه نفع للمأمور أو للآمر في مغيب الآمر في حياته أو فيما بعد موته وشاع إطلاقها على أمر بشيء يصلح بعد موت الموصى وفي حديث العرباض بن سارية قال ( وعظنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا إلخ )
