والتعريف في الوصية تعريف الجنس أي كتب عليكم ما هو معروف عندكم بالوصية للوالدين والأقربين فقوله ( للوالدين ) متعلق بالوصية معمول له ؛ لأن اسم المصدر يعمل عمل المصدر ولا يحتاج إلى تأويله بأن والفعل والوصية مرفوع نائب عن الفاعل لفعل كتب وإذا ظرف .
A E والمعروف الفعل الذي تألفه العقول ولا تنكره النفوس فهو الشيء المحبوب المرضي سمى معروفا لأنه لكثرة تداوله والتأنس به صار معروفا بين الناس وضده يسمى المنكر وسيأتي عند قوله تعالى ( تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) في سورة آل عمران .
والمراد ( بالمعروف ) هنا العدل الذي لا مضارة فيه ولا يحدث منه تحاسد بين الأقارب بأن ينظر الموصى في ترجيح من هو الأولى بأن يوصي إليه لقوة قرابة أو شدة حاجة فإنه إن توخى ذلك استحسن فعله الناس ولم يلوموه ومن المعروف في الوصية إلا تكون للإضرار بوارث أو زوج أو قريب وسيجيء عند قوله تعالى ( فمن خاف من موص جنفا أو إثما ) .
والباء في ( بالمعروف ) للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال من الوصية .
وقد شمل قوله ( بالمعروف ) تقدير ما يوصى به وتمييز من يوصى له ووكل ذلك إلى نظر الموصى فهو مؤتمن على ترجيح من هو أهل للترجيح في العطاء كما أشار إليه قوله تعالى ( على المتقين ) .
وقوله ( حقا ) مصدر مؤكد ل ( كتب ) لأنه بمعناه ( وعلى المتقين ) صفة أي حقا كائنا على المتقين ولك أن تجعله معمول حقا ولا مانع من أن يعمل المصدر المؤكد في شيء ولا يخرجه ذلك عن كونه مؤكدا بما زاد على معنى فعله ؛ لأن التأكيد حاصل بإعادة مدلول الفعل نعم إذا أوجب ذلك المعمول له تقييدا يجعله نوعا أو عددا فحينئذ يخرج عن التأكيد .
وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبا في الرضى به ؛ لأن ما كان من شأن المتقى فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وإن غيره معصية وقال ابن عطية : خص المتقون بالذكر تشريفا للرتبة ليتبارى الناس إليها .
وخص الوالدين والأقربين لأنهم مظنة النسيان من الموصى لأنهم كانوا يورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة .
وقدم الوالدين للدلالة على أنهما أرجح في التبدية بالوصية وكانوا قد يوصون بإيثار بعض أولادهم على بعض أو يوصون بكيفية توزيع أموالهم على أولادهم ومن أشهر الوصايا في ذلك وصية نزار بن معد بن عدنان إذ أوصى لابنه مضر بالحمراء ولابنه ربيعة بالفرس ولابنه أنمار بالحمار ولابنه إياد بالخادم وجعل القسمة في ذلك للأفعى الجرهمي وقد قيل : إن العرب كانوا يوصون للأباعد طلبا للفخر ويتركون الأقربين في الفقر وقد يكون ذلك لأجل العداوة والشنآن .
وهذه الآية صريحة في إيجاب الوصية لأن قوله ( كتب عليكم ) صريح في ذلك وجمهور العلماء على أنها ثبت بها حكم وجوب الإيصاء للوالدين والأقربين وقد وقت الوجوب بوقت حضور الموت ويلحق به وقت توقع الموت ولم يعين المقدار الموصى به وقد حرضت السنة على إعداد الوصية من وقت الصحة بقول النبي A " ما حق أمرئ له مال يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " أي لأنه قد يفجأه الموت .
والآية تشعر بتفويض تعيين المقدار الموصى به إلى ما يراه الموصى وأمره بالعدل بقوله ( بالمعروف ) فتقرر حكم الإيصاء في صدر الإسلام لغير الأبناء من القرابة زيادة على ما يأخذه الأبناء ثم إن آية المواريث التي في سورة النساء نسخت هذه الآية نسخا مجملا فبينت ميراث كل قريب معين فلم يبق حقه موقوفا على إيصاء الميت له بل صار حقه ثابتا معينا رضى الميت أم كره فيكون تقرر حكم الوصية في أول الأمر استئناسا لمشروعية فرائض الميراث ولذلك صدر الله تعالى آية الفرائض بقوله ( يوصيكم الله في أولادكم ) فجعلها وصية نفسه سبحانه إبطالا للمنة التي كانت للموصى