والقصر في قوله ( فإنما إثمه ) إضافي لنفي الإثم عن الموصى وإلا فإن إثمه أيضا يكون على الذي يأخذ ما لم يجعله له الموصى مع علمه إذا حاباه منفذ الوصية أو الحاكم فإن الحكم لا يحل حراما وقد قال النبي A : فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقتطع له قطعة من نار وإنما انتفى الإثم عن الموصى لأنه استبرأ لنفسه حين أوصى بالمعروف فلا وزر عليه في مخالفة الناس بعده لما أوصى به إذ ( ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى ) .
والمقصود من هذا القصر إبطال تعلل بعض الناس بترك الوصية بعلة خيفة ألا ينفذها الموكول إليهم تنفيذها أي فعليكم بالإيصاء ووجوب التنفيذ متعين على ناظر الوصية فإن بدله فعليه إثمه وقد دل قوله : ( فإنما إثمه على الذين يبدلونه ) أن هذا التبديل يمنعه الشرع ويضرب ولاة الأمور على يد من يحاول هذا التبديل ؛ لأن الإثم لا يقرر شرعا .
وقوله ( إن الله سميع عليم ) وعيد للمبدل لأن الله لا يخفى عليه شيء وإن تحيل الناس لإبطال الحقوق بوجوه الحيل وجاروا بأنواع الجور فالله سميع وصية الموصى ويعلم فعل المبدل وإذا كان سميعا عليما وهو قادر فلا حائل بينه وبين مجازاة المبدل . والتأكيد بأن ناظر إلى حالة المبدل الحكمية في قوله ( فمن بدله ) لأنه في إقدامه على التبديل يكون كمن ينكر أن الله عالم فلذلك أكد له الحكم تنزيلا له منزلة المنكر .
( فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم [ 182 ] ) A E تفريع على الحكم الذي تقدمه وهو تحريم التبديل فكما تفرع عن الأمر بالعدل في الوصية وعيد المبدل لها وتفرع عن وعيد المبدل الإذن في تبديل هو من المعروف وهو تبديل الوصية التي فيها جور وحيف بطريقة الإصلاح بين الموصى لهم وبين من ناله الحيف من تلك الوصية بأن كان جديرا بالإيصاء إليه فتركه الموصى أو كان جديرا بمقدار فأجحف به الموصى ؛ لأن آية الوصية حصرت قسمة تركة الميت في اتباع وصيته وجعلت ذلك موكولا إلى أمانته بالمعروف فإذا حاف حيفا واضحا وجنف عن المعروف أمر ولاة الأمور بالصلح . ومعنى خاف هنا الظن والتوقع ؛ لأن ظن المكروه خوف فأطلق الخوف على لازمه وهو الظن والتوقع إشارة إلى أن ما توقعه المتوقع من قبيل المكروه والقرينة هي أن الجنف والإثم لا يخيفان أحدا ولا سيما من ليس من أهل الوصية وهو المصلح بين أهلها ومن إطلاق الخوف في مثل هذا قول أبي محجن الثقفي : .
" أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها أي أظن وأعلم شيئا مكروها ولذا قال قبله : .
" تروى عظامي بعد موتي عروقها والجنف الحيف والميل والجور وفعله كفرح .
والإثم المعصية فالمراد من الجنف هنا تفضيل من لا يستحق التفضيل على غيره من القرابة المساوي له أو الأحق فيشمل ما كان من ذلك عن غير قصد ولكنه في الواقع حيف في الحق والمراد بالإثم ما كان قصد الموصى به حرمان من يستحق أو تفضيل غيره عليه .
والإصلاح جعل الشيء صالحا يقال : أصلحه أي جعله صالحا ولذلك يطلق على الدخول بين الخصمين بالمراضاة ؛ لأنه يجعلهم صالحين بعد أن فسدوا ويقال : أصلح بينهم بتضمينه معنى دخل والضمير المجرور ببين في الآية عائد إلى الموصى والموصى لهم المفهومين من قوله ( موص ) إذ يقتضي موصى لهم ومعنى ( فلا إثم عليه ) أنه لا يلحقه حرج من تغيير الوصية ؛ لأنه تغيير إلى ما فيه خير .
والمعنى : أن من وجد في وصية الموصى إضرارا ببعض أقربائه بأن حرمه من وصيته أو قدم عليه من هو أبعد نسبا أو أوصى إلى غني من أقربائه وترك فقيرهم فسعى في إصلاح ذلك وطلب من الموصى تبديل وصيته فلا إثم عليه في ذلك ؛ لأنه سعى في إصلاح بينهم أو حدث شقاق بين الأقربين بعد موت الموصى لأنه آثر بعضهم ولذلك عقبه بقوله ( إن الله غفور رحيم ) وفيه تنويه بالمحافظة على تنفيذ وصايا الموصين حتى جعل تغيير جورهم محتاجا للإذن من الله تعال والتنصيص على أنه مغفور .
وقرأ الجمهور ( موص ) على أنه اسم فاعل أوصى وقرأه أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف ( موص ) بفتح الواو وتشديد الصاد على أنه اسم فاعل وصى المضاعف
