( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [ 183 ] أياما معدودات ) حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمة وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها وفي ذلك صلاح حال الأفراد فردا فردا ؛ إذ منها يتكون المجتمع . وفصلت الجملة عن سابقتها للانتقال إلى غرض آخر وافتتحت بيا أيها الذين آمنوا لما في النداء من إظهار العناية بما سيقال بعده .
والقول في معنى كتب عليكم ودلالته على الوجوب تقدم آنفا عند قوله تعالى ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية ) الآية .
والصيام " يقال الصوم " هو في اصطلاح الشرع : اسم لترك جميع الأكل وجميع الشرب وقربان النساء مدة مقدرة بالشرع بنية الامتثال لأمر الله أو لقصد التقرب بنذر للتقرب إلى الله .
والصيام اسم منقول من مصدر فعال وعينه واو قلبت ياء لأجل كسرة فاء الكلمة وقياس المصدر الصوم وقد ورد المصدران في القرآن فلا يطلق الصيام حقيقة في اللغة إلا على ترك كل طعام وشراب وألحق به في الإسلام ترك قربان كل النساء فلو ترك أحد بعض أصناف المأكول أو بعض النساء لم يكن صياما كما قال العرجى : .
فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا وللصيام إطلاقات أخرى مجازية كإطلاقة على إمساك الخيل عن الجري في قول النابغة : .
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما وأطلق عل ترك شرب حمار الوحش الماء وقال لبيد يصف حمار الوحش وأتانه في إثر فصل الشتاء حيث لا تشرب الحمر ماء لاجتزائها بالمرعى الرطب .
A E .
حتى إذا سلخا جمادى ستة ... جزءا فطال صيامه وصيامها والظاهر أن اسم الصوم في اللغة حقيقة في ترك الأكل والسرب بقصد القربة فقد عرف العرب الصوم في الجاهلية من اليهود في صومهم يوم عاشوراء كما سنذكره .
وقول الفقهاء : إن الصوم في اللغة مطلق الإمساك وإن إطلاقه على الإمساك عن الشهوتين اصطلاح شرعي لا يصح لأنه مخلف لأقوال أهل اللغة كما في الأساس وغيره وأما إطلاق الصوم على ترك الكلام في قوله تعالى حكاية عن قول عيسى ( فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ) فليس إطلاقا للصوم على ترك الكلام ولكن المراد أن الصوم كان يتبعه ترك الكلام على وجه الكمال والفضل .
فالتعريف في الصيام في الآية تعريف العهد الذهني أي كتب عليكم جنس الصيام المعروف . وقد كان العرب يعرفون الصوم فقد جاء في الصحيحين عن عائشة قالت " كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية " وفي بعض الروايات قولها " وكان رسول الله يصومه " وعن ابن عباس " لما هاجر رسول الله إلى المدينة وجد اليهود يصومون في يوم عاشوراء فقال ما هذا ؟ فقالوا : يوم نجى الله فيه موسى فنحن نصومه فقال رسول الله : نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصومه " فمعنى سؤاله هو السؤال عن مقصد اليهود من صومه لا تعرف أصل صومه وفي حديث عائشة " فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة وقال رسول الله من صام يوم عاشوراء ومن شاء ولم يصمه فوجب صوم يوم عاشوراء بالسنة ثم نسخ ذلك بالقرآن فالمأمور به صوم معروف زيدت في كيفيته المعتبرة شرعا قيود تحديد أحواله وأوقاته بقوله تعالى ( فالآن باشروهن ) إلى قوله ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) وقوله ( شهر رمضان ) الآية وقوله ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة كمن أيام أخر ) وبهذا يتبين أن في قوله ( كتب عليكم الصيام ) إجمالا وقع تفصيله في الآيات بعده .
فحصل صيام الإسلام ما يخالف صيام اليهود والنصارى في قيود ماهية الصيام وكيفيتها ولم يكن صيامنا مماثلا لصيامهم تمام المماثلة .
فقوله ( كما كتب على الذين من قبلكم ) تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم في الكيفيات والتشبيه يكتفي فيه ببعض وجود المشابهة وهو وجه الشبه المراد في القصد وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالة في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة ولكن فيه أغراضا ثلاثة تضمنها التشبيه :