أحدهما الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بها لأنها شرعها الله قبل السلام لمن كانوا قبل المسلمين وشرعها للمسلمين وذلك يقتضي اطراد صلاحها ووفرة ثوابها .
وإنهاض هم المسلمين لتلق هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم .
إن المسلمين كانوا يتنافسون في العبادات كما ورد في الحديث أن ناسا من أصحاب رسول الله قالوا يا رسول الله : ذهب أهل الدثور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم الحديث ويحبون التفضيل على أهل الكتاب وقطع تفاخرا أهل الكتاب عليهم بأنهم أهل شريعة قال تعالى ( أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ) .
فلا شك أنهم يغتبطون أمر الصوم وقد كان صومهم الذي صاموه وهو يوم عاشوراء إنما اقتدوا فيه ليهود فهم في ترقب إلى تخصيصهم من الله بصوم أنف فهذه فائدة التشبيه لأهل الهم من المسلمين إذ ألحقهم الله بصالح الأمم في الشرائع العائدة بخير الدنيا والآخرة قال تعالى ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) .
والغرض الثاني أن في التشبيه بالسابقين تهوينا على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم ؛ فإن في الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب فهذه فائدة لمن قد يستعظم الصوم من المشركين فيمنعه وجوده في الإسلام من الإيمان ولمن يستثقله من قريبي العهد بالإسلام وقد أكد هذا المعنى الضمني قوله بعده ( أياما معدودات ) .
والغرض الثالث إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة .
ووقع لأبي بكر بن العربي في العارضة قوله " كان من قول مالك في كيفية صيامنا أنه كان مثل صيام من قبلنا وذلك معنى قوله ( كما كتب على الذين من قبلكم ) وفيه بحث سنتعرض له عند تفسير قوله تعالى ( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) .
A E فهذه الآية شرعت وجوب صيام رمضان لأن فعل كتب يدل على الوجوب وابتداء نزول سورة البقرة كان في أول الهجرة كما تقدم فيكون صوم عاشوراء ثم فرض رمضان في العام الذي يليه وفي الصحيح أن النبي A صام تسع رمضانات فلاشك أنه صام أول رمضان في العام الثاني من الهجرة ويكون صوم عاشوراء قد فرض عاما فقط وهو أول العام الثاني من الهجرة .
والمراد بالذين من قبلكم من كان قبل المسلمين من أهل الشرائع وهم أهل الكتاب أعني اليهود لأنهم الذين يعرفهم المخاطبون ويعرفون ظاهر شئونهم وكانوا على اختلاط بهم في المدينة وكان لليهود صوم فرضه الله عليهم وهو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم وهو الشهر المسمى عندهم " تسرى " يبتدئ الصوم من غروب اليوم التاسع إلى غروب اليوم العاشر وهو يوم كفارة الخطايا ويسمونه " كبور " إن أحبارهم شرعوا صوم أربعة أيام أخرى وهي الأيام الأول من الأشهر الرابع والخامس والسابع والعاشر من سنتهم تذكارا لوقائع بيت المقدس وصوم يوم " بوريم " تذكارا لنجاتهم من غصب ملك الأعاجم " أحشويروش " في واقعة " استير " وعندهم صوم التطوع وفي الحديث : أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما أما النصارى فليس في شريعتهم نص على تشريع صوم زائد على ما في التوراة فكانوا يتبعون صوم اليهود وفي صحيح مسلم عن ابن عباس " قالوا يا رسول الله إن يوم عاشوراء تعظمه اليهود والنصارى " ثم إن رهبانهم شرعوا صوم أربعين يوما اقتداء بالمسيح إذ صام أربعين يوما قبل بعثته ويشرع عندهم نذر الصوم عند التوبة وغيرها إلا أنهم يتوسعون في صفة الصوم فهو عندهم ترك الأقوات القوية والمشروبات أو هو تناول طعام واحد في اليوم يجوز أن تلحقه أكلة خفيفة