وقوله تعالى ( فالآن باشروهن ) الأمر للإباحة وليس معنى قوله ( فالآن ) إشارة إلى تشريع المباشرة حينئذ بل معناه : ( فالآن ) اتضح الحكم فباشروهن ولا تختانوا أنفسكم والابتغاء الطلب وما كتبه الله : ما أباحه من مباشرة النساء في غير وقت الصيام أو اطلبوا ما قدر الله لكم من الولد تحريضا للناس على مباشرة النساء عسى أن يتكون النسل من ذلك وذلك لتكثير الأمة وبقاء النوع في الأرض .
( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) عطف على ( باشروهن ) والخيط سلك الكتان أو الصوف أو غيرهما يلفق به بين الثياب بشده بإبرة أو مخيط يقال خاط الثوب وخيطه . وفي خبر قبور بني أمية أنهم وجدوا معاوية Bه في قبره كالخيط والخيط هنا يراد به الشعاع الممتد في الظلام والسواد الممتد بجانبه قال أبو دؤاد من شعراء الجاهلية : .
فلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا وقوله ( من الفجر ) من ابتدائية أي الشعاع الناشئ عن الفجر وقيل بيانية وقيل تبعيضية وكذلك قول أبي دؤاد ( من الصبح ) لأن الخيط شائع في السلك الذي يخاط به فهو قرينة إحدى المعنيين للمشترك وجعله في الكشاف تشبيها بليغا فلعله لم يثبت عنده اشتهار إطلاقه على هذا المعنى في غير بعض الكلام كالآية وبيت أبي دؤاد وعندي أن القرآن ما أطلقه إلا لكونه كالنص في المعنى المراد في اللغة الفصحى دون إرادة التشبيه لأنه ليس بتشبيه واضح .
A E وقد جئ في الغاية بحتى وبالتبين للدلالة على أن الإمساك يكون عند اتضاح الفجر للناظر وهو الفجر الصادق ثم قوله تعالى ( حتى يتبين ) تحديد لنهاية وقت الإفطار بصريح المنطوق ؛ وقد علم منه لا محالة أنه ابتداء زمن الصوم إذ ليس في زمان رمضان إلا صوم وفطر وانتهاء أحدهما مبدأ الآخر فكان قوله ( أتموا الصيام إلى الليل ) بيانا لنهاية وقت الصيام ولذلك قال تعالى ( ثم أتموا ) ولم يقل ثم صوموا لأنهم صائمون من قبل .
وإلى الليل غاية اختير لها ( إلى ) للدلالة على تعجيل الفطر عند غروب الشمس لأن إلى تمتد معها الغاية بخلاف حتى فالمراد هنا مقارنة إتمام الصيام بالليل .
واعلم أن ثم في عطف الجمل للتراخي الرتبي وهو اهتمام بتعيين وقت الإفطار ؛ لأن ذلك كالبشارة لهم ولا التفات إلى ما ذهب إليه أبو جعفر الخباز السمرقندي من قدماء الحنفية من الاستدلال بثم في هاته الآية على صحة تأخير النية عن الفجر احتجاجا لمذهب أبي حنيفة من جواز تأخير النية إلى الضحوة الكبرى .
بناء على أن ثم للتراخي وأن إتمام الصيام يستلزم ابتداءه فكأنه قال ثم بعد تبيين الخيطين من الفجر صوموا أو أتموا الصيام إلى الليل فينتج معنى صوموا بعد تراخ عن وقت الفجر وهو على ما فيه من التكلف والمصير إلى دلالة الإشارة الخفيفة غفلة عن معنى التراخي في عطف " ثم " للجمل .
هذا وقد رويت قصة في فهم بعض الصحابة لهذه الآية وفي نزولها مفرقة فروى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال " لما نزلت ( حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ) عمدت إلى عقال أسود وإلى عقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي فجعلت أنظر في الليل فلا يستبين لي الأبيض من الأسود فغدوت على رسول الله فذكرت له ذلك فقال رسول الله : إن وسادك لعريض وفي رواية : إنك لعريض القفا وإنما ذلك سواد الليل وبياض النهار "
