وما شرع الصوم إلا إمساكا في النهار دون الليل فلا أحسب أن الآية إنشاء للإباحة ولكنها إخبار عن الإباحة المتقررة في أصل توقيت الصيام بالنهار والمقصود منها إبطال شئ توهمه بعض المسلمين وهو أن الأكل بين الليل لا يتجاوز وقتين وقت الإفطار ووقت السحور وجعلوا وقت الإفطار هو ما بين المغرب إلى العشاء لأنهم كانوا ينامون إثر صلاة العشاء وقيامها فإذا صلوا العشاء لم يأكلوا إلا أكلة السحور وأنهم كانوا ينامون إثر صلاة العشاء وقيامها فإذا صلوا العشاء لم يأكلوا إلا أكلة السحور وأنهم كانوا في أمر الجماع كشأنهم في أمر الطعام وأنهم لما اعتادوا جعل النوم مبدأ وقت الإمساك الليلي ظنوا أن النوم إن حصل في غير إبانة المعتاد يكون أيضا مانعا من الأكل والجماع إلى وقت السحور وإن وقت السحور لا يباح فيه إلا الأكل دون الجماع ؛ إذا كانوا يتأتون من الإصباح في رمضان على جنابة وقد جاء في صحيح مسلم أن أبا هريرة كان يرى ذلك يغني بعد وفاة رسول الله A لعل هذا قد سرى إليهم من أهل الكتاب كما يقتضيه ما رواه محمد ابن جرير من طريق السدى ولعلهم التزموا ذلك ولم يسألوا عنه رسول الله A ولعل ذلك لم يتجاوز بعض شهر رمضان من السنة التي شرع لها صيام رمضان فحدثت هذه الحوادث المختلفة المتقاربة وذكر ابن العربي في العارضة عن ابن القاسم عن مالك كان في أول الإسلام من رقد قبل أن يطعم من الليل شيئا فأنزل الله ( فالآن باشروهن ) فأكلوا بعد ذلك فقوله تعالى ( علم الله ) دليل على أن القرآن نزل بهذا الحكم لزيادة البيان ؛ إذ علم الله ما ضيق به بعض المسلمين على أنفسهم وأوحى به إلى رسوله A . وهذا يشير إلى أن المسلمين لم يفشوا ذلك ولا أخبروا به رسول الله ولذلك لا نجد في روايات البخاري بن صرمة عند أبي داود ولعله من زيادات الراوي .
A E فأما أن يكون ذلك قد شرع ثم نسخ فلا أحسبه إذ ليس من شأن الدين الذي شرع الصوم أول مرة يوما في السنة ثم درجه فشرع الصوم شهرا على التخيير بينه وبين الإطعام تخفيفا على المسلمين أن يفرضه بعد ذلك ليلا ونهارا فلا يبيح الفطر إلا ساعات قليلة من الليل .
وليلة الصيام الليلة التي يعقبها صيام اليوم الموالي لها جويا على استعمال العرب في إضافة الليلة لليوم الموالي لها إلا ليلة عرفة فإن المراد بها الليلة التي بعد يوم عرفة .
والرفث في الأساس واللسان أن حقيقته الكلام مع النساء في شؤون الالتذاذ بهن ثم أطلق على الجماع كناية وقيل هو حقيقة فيهما وهو الظاهر وتعديته بإلى ليتعين المعنى المقصود وهو الإفضاء وقول ( هن لباس لكم ) جملة مستأنفة كالعلة لما قبلها أي أحل لعسر الاحتراز عن ذلك .
ذلك أن الصوم لو فرض على الناس في الليل وهو وقت الاضطجاع لكان الإمساك عن قربان النساء في ذلك الوقت عنتا ومشقة شديدة ليست موجودة في الإمساك عن قربانهن في النهار ؛ لإمكان الاستعانة عليه في النهار بالعبد عن المرأة فقوله تعالى ( هن لباس لكم ) استعارة بجامع شدة الاتصال حينئذ وهي استعارة أحياها القرآن لأن العرب كانت اعتبرتها في قولهم : لا بس الشيء الشيء إذا اتصل به لكنهم صيروها في خصوص زنة المفاعلة حقيقة عرفية فجاء القرآن فأحياها وصيرها استعارة أصلية جديدة بعد أن كانت تبعية منسية وقريب منها قول امرئ القيس : .
" فسلي ثيابي من ثيابك تنسل و ( تختانون ) قال الراغب : الاختيان مراودة الخيانة بمعنى أنه افتعال من الخون وأصله تختونون فصارت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وخيانة الأنفس تمثيل لتكليفها ما لم تكلف به كأن ذلك تغرير بها ؛ إذ يوهمها أن المشقة مشروعة عليها وهي ليست بمشروعة وهو تمثيل لمغالطتها في الترخص بفعل ما ترونه محرما عليكم فتقدمون تارة وتحجمون أخرى كمن يحاول خيانة فيكون كالتمثيل في قوله تعالى ( يخادعون الله ) .
والمعنى هنا أنكم تلجئونها للخيانة أو تنسبونها لها وقيل : الاختيان أشد من الخيانة كالاكتساب والكسب كما في الكشاف قلت : وهو استعمال كما قال تعالى ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم )
