والسؤال : طلب أحد من آخر بذل شيء أو إخبارا بخبر فإذا كان طلب بذل عدى فعل السؤال بنفسه وإذا كان طلب إخبار عدى الفعل بحرف ( عن ) أو ما ينوب منابة وقد تكررت في هذه السورة آيات مفتتحة ب ( يسئلونك ) وهي سبع آيات غير بعيد بعضها من بعض جاء بعضها غير معطوف بحرف العطف وهي أربع وبعضها معطوفا به وهي الثلاث الأواخر منها وأما غير المفتتحة بحرف العطف فلا حاجة إلى تبيين تجردها عن العاطف ؛ لأنها في استئناف أحكام لا مقارنة بينها وبين مضمون الجمل التي قبلها فكانت جديرة بالفصل دون عطف ولا يتطلب لها سوى المناسبة لمواقعها .
A E وأما الجمل الثلاث الأواخر المفتتحة بالعاطف فكل واحدة منها مشتملة على أحكام لها مزيد اتصال بمضمون ما قبلها فكان السؤال المحكي فيها مما شأنه أن ينشأ عن التي قبلها فكانت حقيقية بالوصل بحرف العطف كما سيتضح في مواقعها . والسؤال عن الأهلة لا يتعلق بذواتها إذ الذوات لا يسأل إلا عن أحوالها فيعلم هنا تقدير وحذف أي عن أحوال الأهلة فعلى تقدير كون السؤال واقعا بها غير مفروض فهو يحتمل السؤال عن الحكمة ويحتمل السؤال عن السبب فإن كان من الحكمة فالجواب بقوله ( قل هي مواقيت للناس ) جار على وفق السؤال وإلى هذا ذهب صاحب الكشاف ولعل المقصود من السؤال حينئذ استثبات كون المراد الشرعي منها موافقا لما اصطلحوا عليه لأن كونها مواقيت ليس مما يخفى حتى يسأل عنه فإنه متعارف لهم فيتعين كون المراد من سؤالهم إن واقعا هو تحقق الموافقة للمقصد الشرعي . وإن كان السؤال عن السبب فالجواب بقوله ( قل هي مواقيت ) غير مطابق للسؤال فيكون إخراجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بصرف السائل إلى غير ما يتطلب تنبيها على أن ما صرف إليه هو المهم له لأنهم في مبدأ تشريع جديد والمسؤول هو الرسول E وكان المهم أن يسألوه عما ينفعهم في صلاح دنياهم وأخراهم وهو معرفة كون الأهلة ترتبت عليها آجال المعاملات والعبادات كالحج والصيام والعدة ولذلك صرفهم عن بيان مسؤولهم إلى بيان فائدة أخرى لا سيما والرسول لم يجيء مبينا لعلل اختلاف أحوال الأجرام السماوية والسائلون ليس لهم من أصول معرفة الهيئة ما يهيئهم إلى فهم ما أرادوا علمه بمجرد البيان اللفظي بل ذلك يستدعي تعليمهم مقدمات لذلك العلم على أنه لو تعرض صاحب الشريعة لبيانه لبين أشياء من حقائق العلم لم تكن معروفة عندهم ولا تقبلها عقولهم يومئذ ولكان ذلك ذريعة إلى طعن المشركين والمنافقين بتكذيبه فإنهم قد أسرعوا إلى التكذيب فيما لم يطلعوا على ظواهره كقولهم : ( هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد افترى على الله كذبا أم به جنة ) وقولهم ( ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق ) وعليه فيكون هذا الجواب بقوله ( هي مواقيت للناس والحج ) تخريجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر كقول الشاعر أنشده في المفتاح ولم ينسبه ولم أقف على قائله ولم أره في غيره : .
أتت تشتكي مني مزاولة القرى ... وقد رأت الأضياف ينحون منزلي .
فقلت لها لما سمعت كلامها ... هم الضيف جدى في قراهم وعجلي وإلى هذا صاحب المفتاح وكأنه بناه على أنهم لا يظن بهم السؤال عن الحكمة في خلق الأهلة : لظهورها وعلى أن الواو في قصة معاذ وثعلبة يشعر بأنهما سألا عن السبب إذ قالا : ما بال الهلال يبدو دقيقا الخ .
والأهلة : جمع هلال وهو القمر في أول استقباله الشمس كل شهر قمري في الليلة الأولى والثانية قيل والثالثة ومن قال إلى السبع فإنما أراد الحجاز لأنه يشبه الهلال ويطلق الهلال على القمر ليلة ست وعشرين وسبع وعشرين لأنه في قدر الهلال في أول الشهر وإنما سمي الهلال هلالا لأن الناس إذا رأوه رفعوا أصواتهم بالإخبار عنه ينادي بعضهم بعضا لذلك وإن هل وأهل بمعنى رفع صوته كما تقدم في قوله تعالى ( وما أهل به لغير الله )
