وقوله ( مواقيت للناس ) أي مواقيت لما يوقت من أعمالهم فاللام للعلة أي لفائدة الناس وهو على تقدير مضاف أي لأعمال الناس ولم تذكر الأعمال الموقتة بالأهلة ليشمل الكلام كل عمل محتاج إلى التوقيت وعطف الحج على الناس مع اعتبار المحذوف من عطف الخاص على العام للاهتمام به . واحتياج الحج للتوقيت ضروري ؛ إذ لو لم يوقت لجاء الناس للحج متخالفين فلم يحصل المقصود من اجتماعهم ولم يجدوا ما يحتاجون إليه في أسفارهم وحلولهم بمكة وأسواقها ؛ بخلاف الصلاة فبيست موقتة بالأهلة وبخلاف الصوم فإن توقيته بالهلال تكميلي له ؛ لأنه عبادة مقصورة على الذات فلو جاء بها المنفرد لحمل المقصد الشرعي ولكن شرع فيه توحيد الوقت ليكون أخف على المكلفين فإن الصعب يخف بالاجتماع وليكون حالهم في تلك المدة مماثلا فلا يشق أحد على آخر في اختلاف الأكل والنوم ونحوهما .
والمواقيت جمع ميقات والميقات جاء بوزن اسم الآلة وقت وسمي العرب به الوقت وكذلك سمي الشهر شهرا مشتقا من الشهرة لأن الذي يرى هلال الشهر يشهره لدى الناس .
A E وسمي العرب الوقت المعين ميقاتا كأنه مبالغة وإلا فهو الوقت عينه وقيل : أميقاة أخص من الوقت لأنه وقت قدر فيه عمل من الأعمال قلت : فعليه يكون صوغه بصيغة اسم الآلة اعتبارا بأن ذلك العمل المعين يكون وسيلة لتحديد الوقت فكأنه آلة للضبط والاقتصار على الحج دون العمرة لأن العمرة لا وقت لها فلا تكون للأهلة فائدة في فعلها .
ومجيء ذكر الحج في هاته الآية وهي من أول ما نزل بالمدينة ولم يكن المسلمون يستطيعون الحج لأن المشركين يمنعونهم - إشارة إلى وجوب الحج ثابت ولكن المشركين حالوا دون المسلمين ودونه . وسيأتي عند قوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت ) في سورة آل عمران وعند قوله ( الحج أشهر معلومات ) في هذه السورة .
( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون [ 189 ] ) معطوفة على ( يسألونك ) وليست معطوفة على جملة ( هي مواقيت ) لأنه لم يكن مما سألوا عنه حتى يكون مقولا للمجيب . ومناسبة هذه الجملة للتي قبلها أن سبب نزولها كان مواليا أو مقارنا لسبب نزول الآية التي قبلها وأن مضمون كلتا الجملتين كان مثار تردد وإشكال عليهم من شأنه أن يسأل عنه فكانوا إذا أحرموا بالحج أو العمرة من بلادهم جعلوا من أحكام الإجرام ألا يدخل المحرم بيته من بابه أو لا يدخل تحت سقف يحول بينه وبين السماء وكانا المحرمون إذا أرادوا أخذ شيء من بيوتهم تسنموا على ظهور البيوت أو اتخذوا نقبا في ظهور البيوت إن كانوا من أهل المدر وإن كانوا من أهل الخيام دخلوا خلف الخيمة وكان الأنصار يدينون بذلك وأما الحمس فلم كانوا يفعلون هذا والحمس جمع أحمس والأحمس المتشدد بأمر الدين لا يخالفه وهم : قريش . وكنانة . وخزاعة . وثقيف . وجثم . وبنو نصر ابن معاوية . ومدلج . وعدوان . وعضل . وبنو الحارث بن عبد مناف وبنو عامر بن صعصعة وكلهم من سكان مكة وحرمها ما عدا بني عامر بن صعصة فإنهم تحمسوا لأن أمهم قرشية ومعنى نفى البر عن هذا نفى أن يكون مشروعا أو من الحنيفية وإنما لم يكن مشروعا لأنه غلو في أفعال الحج فإن الحج وإن اشتمل على أفعال راجعة إلى ترك الترفه عن البدن كترك المخيط وترك تغطية الرأس إلا أنه لم يكن المقصد من تشريعه إعنات الناس بل إظهار التجرد وترك الترفه ولهذا لم يكن الحمس يفعلون ذلك لأنهم أقرب إلى دين إبراهيم فالنفي في قوله ( وليس البر ) نفي جنس البر عن هذا الفعل بخلاف قوله المتقدم ( ليس البر أن تولوا وجوهكم ) والقرينة هنا هي قوله ( وأتوا البيوت من أبوابها ) ولم يقل هنالك : واستقبلوا أية جهة شئتم والمقصود من الآيتين إظهار البر العظيم وهو ما ذكر بعد حرف الاستدراك في الآيتين بقطع النظر عما نفي عنه البر وهذا هو مناط الشبه والافتراق بين الآيتين
