روي الواحدي في أسباب النزول أن النبي A أهل عام الحديبية من المدينة وأنه دخل بيتا وأن أحدا من الأنصار قيل : اسمه قطبة بن عامر وقيل : رفاعة بن تابوت كان دخل ذلك البيت من بابه اقتداء برسول الله فقال له النبي A : لم دخلت وأنت قد أحرمت ؟ فقال له الأنصاري : دخلت أنت فدخلت بدخولك فقال له النبي A : إني أحمس فقال له الأنصاري : وأنا ديني على دينك رضيت بهديك فنزلت الآية فظاهر هذه الروايات أن الرسول نهى غير الحمس عن ترك ما كانوا يفعلونه حتى نزلت الآية في إبطاله وفي تفسير ابن جرير وابن عطية عن السدي ما يخالف ذلك وهو أن النبي A دخل بابا وهو محرم وكان معه رجل من أهل الحجاز فوقف الرجل وقال : إني أحمس فقال له الرسول A : وأنا أحمس فنزلت الآية فهذه الرواية تقتضي أن النبي أعلن إبطال دخول البيوت من ظهورها وأن الحمس هم الذين كانوا يدخلون البيوت من ظهورها وأقول : الصحيح من ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال : كانت الأنصار إذا حجوا فجاءوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم ولكن من ظهورها فجاء رجل فدخل من بابه فكأنه عبر بذلك فنزلت هذه الآية ورواية السدي وهم وليس في الصحيح ما يقتضي أن رسول الله أمر بذلك ولا يظن أن يكون ذلك منه وسياق الآية ينافيه .
A E وقوله ( ولكن البر من أتقى ) لقول فيه كالقول في قوله تعالى ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) .
و ( اتقى ) فعل منزل منزلة اللازم ؛ لأن المراد به من اتصف بالتقوى الشرعية بامتثال المأمورات واجتناب المنهيات .
وجر ( بأن تأتوا ) بالباء الزائدة لتأكيد النفي بليس ومقتضى تأكيد النفي أنهم كانوا يظنون أن هذا المنفي من البر ظنا قويا فلذلك كان مقتضى حالهم أن يؤكد نفي هذا الظن .
وقوله ( وأتوا البيوت من أبوابها ) معطوف على جملة ( وليس البر ) عطف الإنشاء على الخبر الذي هو في معنى الإنشاء ؛ لأن قوله ( ليس البر ) في منهي النهي عن ذلك فكان كعطف أمر على نهي .
وهذه الآية يتعين أن تكون نزلت في سنة خمس حين أزمع النبي A الخروج إلى العمرة في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة والظاهر أن رسول الله نوى أن يحج بالمسلمين إن لم يصده المشركون فيحتمل أنها نزلت في ذي القعدة أو قبله بقليل .
وقرأ الجمهور ( البيوت ) في الموضعين في الآية بكسر الباء على خلاف صيغة جمع فعل على فعول فهي كسرة لمناسبة وقوع الياء التحتية بعد حركة الضم للتخفيف كما قرأوا عيون . وقرأه أبو عمرو وورش عن نافع وحفص عن عاصم وأبو جعفر . بضم الباء على أصل صيغة الجمع مع عدم الاعتداد ببعض الثقل ؛ لأنه لا يبلغ مبلغ الثقل الموجب لتغيير الحركة قال ابن العربي في العواصم : والذي أختاره لنفسي إذا قرأت أكسر الحروف المنسوبة إلى قالون إلا الهمزة فإني أتركه أصلا إلا فيما يحيل المعنى أو يلبسه ولا أكسر باء بيوت ولا عين عيون . وأطال بما في بعضه نظر وهذا اختيار لنفسه بترجيح بعض القراءات المشهورة على بعض .
وقد تقدم خلاف القراء في نصب ( البر ) من قوله ( ليس البر ) وفي تشديد نون لكن من قوله ( ولكن البر ) .
وقوله ( واتقوا الله لعلكم تفلحون ) أي تظفرون بمطلبكم من البر : فإن البر في اتباع الشرع فلا تفعلوا شيئا إلا إذا كان فيه مرضاة الله ولا تتبعوا خطوات المبتدعين الذين زادوا في الحج ما ليس من شرع إبراهيم .
وقد قيل في تفسير الآية وجوه واحتمالات أخرى كلها بعيدة : فقيل إن قوله ( وليس البر ) مثل ضربه الله لما كانوا يأتونه من النسيء قاله أبو مسلم وفيه بعد حقيقة ومجازا ومعنى ؛ لأن الآيات خطاب للمسلمين وهم الذين سألوا عن الأهلة والنسيء من أحوال أهل الجاهلية ولأنه يئول إلى استعارة غير رشيقة . وقيل : مثل ضرب لسؤالهم عن الأهلة من لا يعلم وأمرهم بتفويض العلم إلى الله وهو بعيد جدا لحصول الجواب من قبل وقيل : كانوا ينذرون إذا تعسر عليهم مطلوبهم ألا يدخلوا بيوتهم من أبوابها فنهوا عن ذلك وهذا بعيد معنى لأن الكلام مع المسلمين وهم لا يفعلون ذلك وسندا إذ لم يرو أحد أن هذا سبب النزول .
( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ 190 ] )
