وقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أثرا جيدا قال : جاء رجلان إلى ابن عمر أيام فتنة ابن الزبير فقالا : إن الناس صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر وصاحب النبي A فما يمنعك أن تخرج ؟ فقال : يمنعني أن الله حرم دم أخي فقالا : ألم يقل الله تعالى ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله ) فقال ابن عمر : قاتلنا مع رسول الله حتى لم تكن فتنة وكان الذين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله قال ابن عمر : كان الإسلام قليلا فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة .
وسيأتي بيان آخر في نظير هذه الآية من سورة الأنفال .
وقوله ( فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ) أي فإن انتهوا عن نقض الصلح أو فإن انتهوا عن الشرك بأن آمنوا فلا عدوان عليهم وهذا تصريح بمفهوم قوله ( الذين يقاتلونكم ) واحتيج إليه لبعد الصفة بطول الكلام ولاقتضاء المقام التصريح بأهم الغايتين من القتال ؛ لئلا يتوهم أن آخر الكلام نسخ أوله وأوجب قتال المشركين في كل حال .
وقوله ( فلا عدوان إلا على الظالمين ) قائم مقام جواب الشرط ؛ لأنه علة الجواب المحذوف والمعنى فإن انتهوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه فلا تأخذوهم بالظنة ولا تبدءوهم بالقتال لأنهم غير ظالمين ؛ وإذ لا عدوان إلا على الظالمين وهو مجاز بديع .
والعدوان هنا إما مصدر عدا بمعنى وثب وقاتل أي فلا هجوم عليهم وإما مصدر عدا بمعنى ظلم كاعتدى فتكون تسميته عدوانا مشاكله لقوله ( على الظالمين ) كما سمي جزاء السيئة بالسوء سيئة .
وهذه المشاكلة تقديرية .
( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين [ 194 ] ) جملة مستأنفة فصلت عن سوابقها ؛ لأنه استئناف بياني ؛ فإنه لما بين تعميم الأمكنة وأخرج منها المسجد الحرام في حالة خاصة كان السامع بحيث يتساءل عما يماثل البقاع الحرام وهو الأزمنة الحرام أعنى الأشهر الحرم التي يتوقع حظر القتال فيها .
فإن كان هذا تشريعا نازلا على غير حادثة فهو استكمال واستفصال لما تدعوا الحاجة إلى بيانه في هذا المقام المهم وإن كان نازلا على سبب كما قيل : إن المسلمين في عام القضية لما قصدوا مكة في ذي القعدة سنة سبع معتمرين خشوا ألا يفي لهم المشركون بدخول مكة أو أن يغدروهم ويتعرضوا لهم بالقتال قبل دخول مكة وهم في شهر حرام فإن دافعوا عن أنفسهم انتهكوا حرمة الشهر فنزلت هذه الآية أو ما روي عن الحسن أن المشركين قالوا للنبي A حين اعتمر عمرة القضية : أنهيت يا محمد عن القتال في الشهر الحرام قال : نعم فأرادوا قتاله فنزلت هذه الآية أي إن استحلوا قتالكم في الشهر الحرام فقاتلوهم أي أباح الله لهم قتال المدافعة فإطلاق الشهر هنا على حذف مضاف واضح التقدير من المقام ومن وصفه بالحرام والتقدير حرمة الشهر الحرام وتكرير لفظ الشهر على هذا الوجه غير مقصود منه التعدد بل التكرير باعتبار اختلاف جهة إبطال حرمته أي انتهاكهم حرمته تسوغ لكم انتهاك حرمته .
وقيل : معنى قوله ( الشهر الحرام بالشهر الحرام ) أن قريشا صدتهم عن البيت عام الحديبية سنة ست ويسر الله لهم الرجوع عام القضية سنة سبع فقال لهم : هذا الشهر الذي دخلتم فيه بدل عن الذي صددتم فيه ونقل هذا عن ابن عباس وقتادة والضحاك والسدي يعني أنه من قبيل قولهم " يوم بيوم والحرب سجال " .
والباء في وقله ( بالشهر الحرام ) للتعويض كقولهم : صاعا بصاع وليس ثمة شهران بل المراد انتهاك الحرمة منهم ومنكم وهما انتهاكان
