والتعريف في الشهر هنا في الموضعين يجوز أن يكون تعريف الجنس وهو الأظهر لأنه يفيد حكما عاما ويشمل كل شهر خاص من الأشهر الحرم على فرض كون المقصود شهر عمرة القضية ويجوز أن يكون التعريف للعهد إن كان المراد شهر عمرة القضية والأشهر الحرم أربعة : ثلاثة متتابعة هي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وحرمتها لوقوع الحج فيها ذهابا ورجوعا وأداء وشهر واحد مفرد هو رجب وكان في الجاهلية شهر العمرة وقد حرمته مضر كلها ولذلك يقال له : رجب مضر وقد أشير إليها في قوله تعالى ( منها أربعة حرم ) .
A E ومعنى كونها قصاصا أي مماثلة في المجازاة والانتصاف فمن انتهكها بجناية يعاقب فيها جزاء جنايته وذلك أن الله جعل الحرمة للأشهر الحرم لقصد الأمن فإذا أراد أحد أن يتخذ ذلك ذريعة إلى غدر الأمن أو الإضرار به فعلى الآخر الدفاع عن نفسه لأن حرمة الناس مقدمة على حرمة الأزمنة ويشمل ذلك حرمة المكان كما تقدم في قوله تعالى ( ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ) والإخبار عن الحرمات بلفظ ( قصاص ) إخبار بالمصدر للمبالغة .
وقوله ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) تفريع عن قوله ( والحرمات قصاص ) ونتيجة له وهذا وجه قول الكشاف : إنه فذلكة وسمي جزاء الاعتداء اعتداء مشاكله على نحو ما تقدم آنفا في قوله ( فلا عدوان إلا على الظالمين ) .
وقوله ( بمثل ما اعتدى عليكم ) . يشمل المماثلة في المقدار وفي الأحوال ككونه في الشهر الحرام أو البلد الحرام .
وقوله ( واتقوا الله ) أمر بالاتقاء في الاعتداء أي بألا يتجاوز الحد لأن شأن المنتقم أن يكون عن غضب فهو مظنة الإفراط .
وقوله ( واعلموا أن الله مع المتقين ) افتتاح الكلام بكلمة ( اعلم ) إيذان بالاهتمام بما سيقوله فإن قولك في الحطاب : اعلم إنباء بأهمية ما سيلقى للمخاطب وسيأتي بسط الكلام فيه عند قوله تعالى ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) في سورة الأنفال والمعية هنا مجاز في الإعانة بالنصر والوقاية ويجوز أن يكون المعنى : واتقوا الله في حرماته في غير أحوال الاضطرار ( واعلموا أن الله مع المتقين ) فهو يجعلهم بمحل عنايته .
( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين [ 195 ] ) هذه الجملة معطوفة على جملة ( وقاتلوا في سبيل الله إلخ ) فإنهم لما أمروا بقتال عدوهم وكان العدو أوفر منهم عدة حرب أيقظهم إلى الاستعداد بإنفاق الأموال في سبيل الله فالمخاطبون بالأمر بالإنفاق جميع المسلمين لا خصوص المقاتلين .
ووجه الحاجة إلى هذا الأمر - مع أن الاستعداد للحرب مركوز في الطباع " تنبيه المسلمين فإنهم قد يقصرون في الإتيان على منتهى الاستعداد لعدو قوي لأنهم قد ملئت قلوبهم إيمانا بالله وثقة به وملئت أسماعهم بوعد الله إياهم النصر وأخيرا بقوله : ( واعلموا أن الله مع المتقين ) نبهوا على أن تعهد الله لهم بالتأييد والنصر لا يسقط عنهم أخذ العدة المعروفة فلا يحسبوا أنهم غير مأمورين ببذل الوسع لوسائل النصر التي هي أسباب ناط الله تعالى بها مسبباتها على حسب الحكمة التي اقتضاها النظام الذي سنه الله في الأسباب ومسبباتها فتطلب المسببات دون أسبابها غلط وسوء أدب مع خالق الأسباب ومسبباتها كي لا يكونوا كالذين قالوا لموسى ( فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) فالمسلمون إذا بذلوا وسعهم ولم يفرطوا في شئ ثم ارتبكوا في أمر بعد ذلك فالله ناصرهم ومؤيدهم فيما لا قبل لهم بتحصيله ولقد نصرهم الله ببدر وهم أذلة إذ هم يومئذ جملة المسلمين وإذ لم يقصروا في شئ فأما أقوام يتلفون أموال المسلمين في شهواتهم ويفيتون الفرص وقت الأمن فلا يستعدون لشيء ثم يطلبون بعد ذلك من الله النصر والظفر فأولئك قوم مغرورون ولذلك يسلط الله عليهم أعداءهم بتفريطهم . ولعله يتداركهم في خلال ذلك بلطفه فيما يرجع إلى استبقاء الدين والإنفاق تقدم في قوله تعالى ( ومما رزقناهم ينفقون )
