الرابع الإلقاء باليد إلى التهلكة : الاستسلام في الحرب أي لا تستسلموا للأسر .
الخامس أنه الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم .
A E روى الترمذي عن أسلم أبي عمران قال : كنا بمدينة الروم " القسطنطينية " فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف للروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه وقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله : إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فانزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا : ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فكانت التهليكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو اه والآية تتحمل جميع المعاني المقبولة .
ووقوع فعل تلقوا في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة أي كل تسبب في الهلاك عن عمد فيكون منهيا عنه محرما ما لم يوجد مقتض لإزالة ذلك التحريم وهو ما يكون حفظه مقدما على حفظ النفس مع تحقق حصول حفظه بسبب الإلقاء بالنفس إلى الهلاك أو حفظ بعضه بسبب ذلك .
فالتفريط في الاستعداد للجهاد حرام لا محالة لأنه إلقاء باليد إلى التهلكة وإلقاء بالأمة والدين إليها بإتلاف نفوس المسلمين وقد اختلف العلماء في مثل هذا الخبر الذي رواه الترمذي عن أبي أيوب وهو اقتحام الرجل الواحد على صف العدو فقال القاسم بن محمد " من التابعين " وعبد الملك بن الماجشون وابن خويز منداد " من المالكية " ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة : لا بأس بذلك إذا كان فيه قوة وكان بنية خالصة لله تعالى وطمع في نجاة أو في نكاية العدو أو قصد تجرئة المسلمين عليهم وقد وقع ذلك من بعض المسلمين يوم أحد بمرأى النبي A فإن لم يكن كذلك كان من الإلقاء إلى التهلكة .
وقوله تعالى ( وأحسنوا ) الإحسان فعل النافع الملائم فإذا فعل فعلا نافعا مؤلما لا يكون محسنا فلا تقول إذا ضربت رجلا تأديبا : أحسنت إليه ولا إذا جاريته في ملذات مضرة أحسنت إليه وكذا إذا فعل فعلا مضرا ملائما لا يسمى محسنا .
وفي حذف متعلق أحسنوا تنبيه على أن الإحسان مطلوب في كل حال ويؤيده قوله A في الحديث الصحيح : ( إن الله كتب الإحسان على كل شئ ) .
وفي الأمر بالإحسان بعد ذكر الأمر باعتداء على المعتدي والإنفاق في سبيل الله والنهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة إشارة إلى أن كل هاته الأحوال يلابسها الإحسان ويحف بها ففي الاعتداء يكون الإحسان بالوقوف عند الحدود والاقتصاد في الاعتداء والاقتناع بما يحصل به الصلاح المطلوب وفي الجهاد في سبيل الله يكون الإحسان بالرفق بالأسير والمغلوب وبحفظ أموال المغلوبين وديارهم من التخريب والتحريق والعرب تقول : " ملكت فأسجح " والحذر من الإلقاء باليد إلى التهلكة إحسان .
وقوله ( إن الله يحب المحسنين ) تذييل للترغيب في الإحسان لأن محبة الله عبده غاية ما يطلبه الناس إذ محبة الله العبد سبب الصلاح والخير دنيا وآخره واللام للاستغراق العرفي والمراد المحسنون من المؤمنين .
( وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) هذا عود إلى الكلام على العمرة فهو عطف على قوله : ( وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ) إلخ . وما بينهما استطراد أو اعتراض على أن عطف الأحكام بعضها على بعض للمناسبة طريقة قرآنية فلك أن تجعل هذه الجملة عطفا على التي قبلها عطف قصة على قصة .
ولا خلاف في أن هذه الآية نزلت في الحديبية سنة ست حين صد المشركون المسلمين عن البيت كما سيأتي في حديث كعب بن عجزة وقد كانوا ناوين العمرة وذلك قبل أن يفرض الحج فالمقصود من الكلام هو العمرة ؛ وإنما ذكر الحج على وجه الإدماج تبشيرا بأنهم سيتمكنون من الحج فيما بعد وهذا من معجزات القرآن
