والإتمام إكمال الشيء والإتيان على بقايا ما يقي منه حتى يستوعب جميعه .
A E ومثل هذا الأمر المتعلق بوصف فعل يقع في كلامهم على وجهين : أحدهما وهو الأكثر أن يكون المطلوب تحصيل وصف خاص للفعل المتعلق به الوصف كالإتمام في قوله تعالى ( وأتموا الحج ) أي كملوه إن شرعتم فيه وكذا قوله تعالى ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) على ما اخترناه وقوله تعالى ( فأتموا إليهم عهدهم ) ومثله أن تقول : أسرع السير للذي يسير سيرا بطيئا وثانيهما أن يجئ الأمر بوصف الفعل مرادا به تحصيل الفعل من أول وهلة على تلك الصفة نظير قوله تعالى ( ولأتم نعمتي عليكم ) وذلك كقولك : أسرع السير فادع لي فلانا تخاطب به مخاطبا لم يشرع في السير بعد فأنت تأمره بإحداث سير سريع من أول وهلة ونظيره قولهم : " وسع فم الركية - وقولهم : وسع كم الجبة وضيق جيبها " أي أوجدها كذلك من أول الأمر وهذا ضرب من ضروب التعبير ليس بكناية ولا مجاز ولكنه أمر بمجموع شيئين وهو أقل ؛ لأن الشأن أن يكون المطلوب بصيغة الأمر ابتداء هو الحدث الذي منه مادة تلك الصيغة .
والآية تحتمل الاستعمالين فإن كان الأول فهي أمر بإكمال الحج والعمرة بمعنى إلا يكون حجا وعمرة مشوبين بشغب وفتنة واضطراب أو هي أمر بإكمالهما وعدم الرجوع عنهما بعد الإهلال بهما ولا يصدهم عنهما شنآن العدو وإن كان الثاني فهي أمر بالإتيان بهما تامين أي مستكملين ما شرع فيهما : والمعنى الأول أظهر وأنسب بالآيات التي قبلها وكأن هذا التحريض مشير إلى أن المقصود الأهم من الحج والعمرة هنا هما الصرورة في الحج وكذا في العمرة على القول بوجوبها .
واللام في الحج والعمرة لتعريف الجنس وهما عبادتان مشهورتان عند المخاطبين متميزتان عن بقية الأجناس فالحج هو زيارة الكعبة في موسم معين في وقت واحد للجماعة وفيه وقوف عرفة والعمرة زيارة الكعبة في غير موسم معين وهي لكل فرد بخصوصه وأصل الحج في اللغة بفتح الحاء وكسرها تكرر القصد إلى الشيء أو كثرة قاصديه . وعن ابن السكيت : الحج كثرة الاختلاف والتردد يقال حج بنو فلان فلانا أطالوا الاختلاف إليه وفي الأساس : فلان تحجه الرفاق أي تقصده اه . فجعله مفيدا بقصد من جماعة كقول المخبل السعدي واسمه الربيع : .
وأشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون سب الزبرقانالمزعفرا والحج من أشهر العبادات عند العرب وهو مما ورثوه عن شريعة إبراهيم عليه السلام كما حكى الله ذلك . بقوله ( وأذن في الناس بالحج ) الآية حتى قيل : إن العرب هم أقدم أمة عرفت عندها عادة الحج وهم يعتقدون أن زيارة الكعبة سعى لله تعالى قال النابغة يصف الحجيج ورواحلهم : .
عليهن شعث عامدون لربهم ... فمن كأطراف الحني خواشع وكانوا يتجردون عند الإحرام من مخيط الثياب ولا يمسون الطيب ولا يقربون النساء ولا يصطادون وكان الحج طوافا بالبيت وسعيا بين الصفا والمروة ووقوفا بعرفة ونحرا بمنى .
وربما كان بعض العرب لا يأكل مدة الحج أقطا ولا سمنا " أي لأنه أكل المترفهين " ولا يستظل بسقف ومنهم من يحج متجردا من الثياب ومنهم من لا يستظل من الشمس ومنهم من يحج صامتا لا يتكلم ولا يشربون الخمر في أشهر الحج ولهم في الحج مناسك وأحكام ذكرناها في تاريخ العرب وكان للأمم المعاصرة للعرب حجوج كثيرة وأشهر الأمم في ذلك اليهود فقد كانوا يحجون إلى الموضع الذي فيه تابوت العهد أي إلى هيكل " أورشليم " وهو المسجد الأقصى ثلاث مرات في السنة ليذبحوا هناك فإن القرابين لا تصح إلا هناك ومن هذه المرات مرة في عيد الفصح .
واتخذت النصارى زيارات كثيرة حجا أشهرها زياراتهم لمنازل ولادة عيسى عليه السلام وزيارة " أورشليم " وكذا زيارة قبر " ماربولس " وقبر " ماربطرس " برومة ومن حج النصارى الذي لا يعرفه كثير من الناس وهو أقدم حجهم أنهم كانوا قبل الإسلام يحجون إلى مدينة " عسقلان " من بلاد السواحل الشامية والمظنون أن الذين ابتدعوا حجها هن نصارى الشام من الغساسنة لقصد صرف الناس عن زيارة الكعبة وقد ذكره سحيم عبد بني الحسحاس وهو من المخضرمين في قوله يصف وحوشا جرفها السيل : .
كأن الوحوش به عسقلا ... ن صادفن في قرن حج ذيافا
