والهدي اسم الحيوان المتقرب به لله في الحج فهو فعل من أهدى وقيل هو جمع هدية كما جمعت جدية السرج على جدي فإن كان اسما فمن بيانية وإن كان جمعا فمن تبعيضية وأقل ما هو معروف عندهم من الهدي الغنم ولذلك لم يبينه الله تعالى هنا وهذا الهدي إن كان قد ساقه قاصد الحج والعمرة معه ثم أحصر فالبعث به إن أمكن واجب وإن لم يكن ساقه معه فعلية توجيهه على الخلاف في حكمه من وجوبه وعدمه والمقصود من هذا تحصيل بعض مصالح الحج بقدر الإمكان فإذا فاتت المناسك لا يفوت ما ينفع فقراء مكة ومن حولها .
A E وقوله ( ولا تحلقوا رؤوسكم ) الآية بيان لملازمة حالة الإحرام حتى ينحر الهدي وإنما خص النهي عن الحلق دون غيره من منافيات الإحرام كالطيب تمهيدا لقوله ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ) ويعلم استمرار حكم الإحرام في البقية بدلالة القياس والسياق وهذا من مستتبعات التراكيب وليس بكناية عن الإحلال لعدم وضوح الملازمة .
والمقصود من هذا تحصيل بعض ما أمكن من أحوال المناسك وهو استبقاء الشعث المقصود في المناسك .
والمحل بفتح الميم وكسر الحاء مكان الحلول أو زمانه يقال : حل بالمكان يحل بكسر الحاء وهو مقام الشيء والمراد به هنا مبلغه وهو ذبحه للفقراء وقيل محله : هو محل ذبح الهدايا وهو منى والأول قول مالك .
وقوله ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ) الآية المراد مرض يقتضي الحلق سواء كان المرض بالجسد أم بالرأس وقوله ( أو به أذى من رأسه ) كناية عن الوسخ الشديد والقمل لكراهية التصريح بالقمل . وكلمة من للابتداء أي أذى ناشئ عن رأسه .
وفي البخاري عن كعب بن عجرة قال " حملت إلى النبي والقمل يتناثر على وجهي فقال ما كنت أرى الجهد قد بلغ بك هذا أما تجد شاة ؟ قلت : لا قال : صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك فنزلت هذه الآية في خاصة وهي لكم عامة اه " ومن لطائف القرآن ترك التصريح بما هو مرذول من الألفاظ .
وقوله ( ففدية من صيام ) محذوف المسند إليه لظهوره أي عليه . والمعنى فليحلق رأسه وعليه فدية وقرينة المحذوف قوله ( ولا تحلقوا رؤوسكم ) وقد أجمل الله الفدية ومقدارها وبينه حديث كعب بن عجرة والنسك بضمتين وبسكون السين مع تثليث النون العبادة ويطلق على الذبيحة المقصود منها التعبد وهو المراد هنا مشتق من نسك كنصر وكرم إذا عبد وذبح لله وسمي العابد ناسكا وأغلب إطلاقه على الذبيحة المتقرب بها إلى معبود وفي الحديث " والآخر يوم تأكلون فيه من نسككم " يعني الضحية .
( فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) الفاء للعطف على ( أحصرتم ) إن كان المراد من الأمن زوال الإحصار المتقدم ولعلها نزلت بعد أن فرض الحج لأن فيها ذكر التمتع وذكر صيام المتمتع إن لم يجد هديا ثلاثة أيام في مدة الحج وسبعة إذا رجع إلى أفقه وذلك لا يكون إلا بعد تمكنهم من فعل الحج والفاء لمجرد التعقيب الذكري .
وجيء بإذا فعل الشرط مرغوب فيه والأمن ضد الخوف وهو أيضا السلامة من كل ما يخالف منه أمن كفرح أمنا أمانا وأمنا وآمنة وإمنا بكسر الهمزة وهو قاصر بالنسبة إلى المأمون منه فيتعدى بمن تقول : أمنت من اعدو ويتعدى إلى المأمون تقول : أمنت فلانا إذا جعلته آمنا منك والأظهر أن الأمن ضد الخوف من العدو ما لم يصرح بمتعلقه وفي القرآن ثم أبلغه مأمنه فإن لم يذكر له متعلق نزل منزلة اللازم فدل على عدم الخوف من القتال وقد تقدم في قوله تعالى ( رب اجعل هذا بلدا آمنا ) .
وهذا دليل على المراد بالإحصار فيما تقدم ما يشمل منع العدو ولذلك قيل إذا أمنتم ويؤيده أن الآيات نزلت في شأن عمرة الحديبية كما تقدم فلا مفهوم للشرط هنا ؛ لأنه خرج لأجل حادثة معينة فالآية دلت على حكم العمرة لأنها لا تكون إلا مع الأمن وذلك أن المسلمين جاءوا في عام عمرة القضاء معتمرين وناوين إن مكنوا من الحج أن يحجوا ويعلم حكم المريض ونحوه إذا زال عنه المانع بالقياس على حكم الخائف
