وقوله ( فمن تمتع ) جواب إذا والتقدير فإذا أمنتم بعد الإحصار وفاتكم وقت الحج وأمكنكم أن تعتمروا فاعتمروا وانتظروا إلى عام قابل واغتنموا خير العمرة فمن تمتع بالعمرة فعليه هدي عوضا عن هدي الحج فالظاهر أن صدر الآية أريد به الإحصار الذي لا يتمكن معه المحصر من حج ولا عمرة وأن قوله ( فإذا أمنتم ) أريد به حصول الأمن مع إمكان الإتيان بعمرة وقد فات وقت الحج أي أنه فاته الوقت ولم يفته مكان الحج ويعلم أن من أمن وقد بقى ما يسعه بأن يحج عليه أن يحج .
ومعنى ( تمتع بالعمرة إلى الحج ) انتفع بالعمرة عاجلا والانتفاع بها إما بمعنى الانتفاع بثوابها أو بسقوط وجوبها إن قيل إنها واجبة مع إسقاط السفر لها إذ هو قد أداها في سفر الحج وإما بمعنى الانتفاع بالحل منها ثم إعادة الإحرام بالحج فانتفع بألا يبقى في كلفه الإحرام مدة طويلة وهذا رخصة من الله تعالى إذ أباح العمرة في مدة الحج بعد أن كان ذلك محظور في عهد الجاهلية إذ كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أعظم الفجور .
A E فالباء في قوله ( بالعمرة ) صلة فعل تمتع وقوله إلى أحج متعلق بمحذوف دل عليه معنى ( إلى ) متربصا إلى وقت الحج أو بالغا إلى وقت الحج أي أيامه وهي عشر ذي الحجة وقد فهم من كلمة إلى أن بين العمرة والحج زمنا لا يكون فيه المعتمر محرما وهو الإحلال الذي بين العمرة والحج في التمتع والقران فعليه ما استيسره من الهدي لأجل الإحلال الذي بين الإحرامين وهذا حيث لم يهد وقت الإحصار فيما أراه والله أعلم والآية جاءت بلفظ التمتع على المعنى اللغوي أي الانتفاع وأشارت إلى ما سماه المسلمون بالتمتع وبالقران وهو من شرائع الإسلام التي أبطل بها شريعة الجاهلية واسم التمتع يشملها لكنه خص التمتع بأن يحرم الحاج بعمرة في أشهر الحج ثم يحل منها ثم يحج من عامه ذلك فبل الرجوع إلى أفقه وخص القران بأن يقترن الحج والعمرة في إهلال واحد ويبدأ في فعله بالعمرة ثم يحل منها ويجوز له أن يردف الحج عل العمرة كان ذلك شرعه الله رخصة للناس وإبطالا لما كانت عليه الجاهلية من منع العمرة في أشهر الحج وفرض الله عليه الهدي جبرا لما كان يتجشمه من مشقة الرجوع إلى مكة لأداء العمرة كما كانوا في الجاهلية ولذلك سماه تمتعا . وقد اختلف السلف في التمتع وفي صغته فالجمهور على جوازه وأنه يحل من عمرته التي أحرم بها في أشهر الحج ثم يحرم بعد ذلك في حجة في عامه ذلك وكان عثمان بن عفان لا يرى التمتع وينهى عنه في خلافته ولعله كان يتأول هذه الآية بمثل ما تأولها ابن الزبير كما يأتي قريبا وخالفه علي وعمران بن حصين وفي البخاري عن عمران بن حصين تمتعنا على عهد النبي ونزل القرآن ثم قال رجل من برأيه ما شاء " يريد عثمان " وكان عمر بن الخطاب لا يرى للقارن إذا أحرم بعمرة وبحجة معا وتم السعي بين الصفا والمروة أن يحل من إحرامه حتى يحل من إحرام حجه فقال له أبو موسى الأشعري إني جئت من اليمن فوجدت رسول الله بمكة محرما " أي عام الوداع " فقال لي بم أهللت ؟ قلت أهللت بإهلال كإهلال النبي فقال لي هل معك هدي قلت لا فأمرني فطفت وسعيت فأحللت وغسلت رأسي ومشطتني امرأة من عبد القيس فلما حدث أبو موسى عمر بهذا قال عمر " إن نأخ بكتاب الله فهو يأمرنا بالإتمام وإن نأخذ بسنة رسوله فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله " وجمهور الصحابة والفقهاء يخالفون رأي عمر ويأخذون بخبر أبي موسى ؛ وبحديث على أن رسول الله A قال " لولا أن معي الهدي لأحللت " وقد ينسب بعض الناس إلى عمر أنه لا يرى جواز التمتع وهو وهم وإنما رأى عمر لا يجوز الإحلال من العمرة في التمتع إلى أن يحل من الحج وذلك معنى قوله فإنه لم يحل حتى بلغ الهدي محله فلعله رأى الإحلال للمتلبس بنية الحج منافيا لنيته وهو ما عبر عنه بالإتمام ولعله كان لا يرى الآحاد مخصصا للمتواتر من كتاب أو سنة لأن فعل النبي A هنا متواتر إذ قد شهده كثير من أصحابه ونفلوا حجه وأنه أهل بها جميعا
