نعم كان أبو بكر وعمر يريان إفراد الحج أفضل من التمتع والقران وبه أخذ مالك روى عنه محمد بن الحسن أنه يرجح أحد الحديثين المتعارضين بعمل الشيخين وكان عبد الله بن الزبير Bه يرى التمتع خاصا بالمحصر إذا تمكن من الوصول إلى البيت بعد أن فاته وقوف عرفه فيجعل حجته عمرة ويحج في العام القابل وتأول قوله تعالى إلى الحج أي إلى وقت الحج القابل والجمهور يقولون " إلى الحج " أي إلى أيام الحج .
وقوله ( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ) الآية عطفت على ( فمن تمتع ) لأن فمن تمتع مع جوابه وهو ( فما استيسر ) مقدر فيه معنى فمن تمتع واجدا الهدي فعطفت عليه فمن لم يجد .
وجعل الله الصيام بدلا عن الهدي زيادة في الرخصة والرحمة ولذلك شرع الصوم مفرقا فجعله عشر' أيام ثلاثة منها ف ] أيام الحج وسبعة بعد الرجوع من الحج .
فقوله ( في الحج ) أي في أشهره إن كان أمكنه الاعتمار قبل انقضاء مدة الحج فإن لم يدرك الحج واعتمر فتلك صفة أخرى لا تعرض إليها في الآية .
وقوله ( تلك عشرة كاملة ) فذلكة الحساب أي جامعته فالحاسب إذا ذكر عددين فصاعدا قال عند إرادة جمع الأعداد فذلك أي المعدود كذا فصيغت لهذا القول صيغة نحت مثل بسمل إذا قال باسم الله وحوقل إذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله فحروف فذلكة متجمعة من حروف فذلك كما قال الأعشى : A E .
ثلاث بالغداة فهن حسبي ... وست حين يدركني العشاء .
فذلك تسعة في اليوم ريي ... وشرب المرء فوق الري داء فلفظ فذلكة كلمة مولدة لم تسمع من كلام العرب غلب إطلاق أيم الفذلكة على خلاصة جمع الأعداد وإن كان اللفظ المحكي جرى بغير كلمة ( ذلك ) كما نقول في قوله ( تلك عشرة كاملة ) إنها فذلكة مع كون الواقع في المحكي لفظ " تلك " لا لفظ ذلك ومثله قول الفرزدق : .
ثلاث واثنتان فتلك خمس ... وسادسة تميل إلى الشمام " أي إلى الشم والتقبيل " وفي وجه الحاجة إلى الفذلكة في الآية وجوه فقيل هو مجرد توكيد كما تقول كتبت بيدي يعني أنه جاء على طريقة ما وقع في شعر الأعشى أي أنه جاء على أسلوب عربي ولا يفيد إلا تقرير الحكم في الذهن مرتين ولذلك قال صاحب الكشاف لما ذكر مثله " كقول العرب علمان خير من علم " .
وعن المبرد أنه تأكيد لدفع وتوهم أن يكون بقى شيء مما يجب صومه وقال الزجاج قد يتوهم متوهم أن المراد التخيير بين صوم ثلاثة أيام في الحج أو سبعة أيام إذا رجع إلى بلده بدلا من الثلاثة أزيل ذلك بجلية المراد بقوله ( تلك عشرة ) وتبعه صاحب الكشاف فقال " الواو قد تجيء للإباحة في نحو قولك : جالس الحسن وابن سيرين ففذلكت نفيا لتوهم الإباحة اه " وهو يريد من الإباحة أنها للتخيير الذي يجوز معه الجمع ولا يتعين .
وفي كلا الكلامين حاجة إلى بيان منشأ توهم معنى التخيير فأقول : إن هذا المعنى وإن كان خلاف الأصل في الواو حتى زعم ابن هشام أن الواو لا ترد له وأن التخيير يستفاد من صيغة الأمر لأنه قد يتوهم من حيث أن الله ذكر عددين في حالتين مختلفتين وجعل أقل العددين لأشق الحالتين وأكثرهما لأخفهما فلا جرم طرأ توهم أن الله أوجب صوم ثلاثة أيام فقط وأن السبعة رخصة لمن أراد التخيير فبين الله ما يدفع هذا التوهم بل الإشارة إلى أن مراد الله تعالى إيجاب صوم عشرة أيام وإنما تفريقها رخصة ورحمة منه سبحانه فحصلت فائدة التنبيه على الرحمة الإلهية .
ونظيره قوله تعالى ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) إذ دل على أنه أراد من موسى عليه السلام مناجاة أربعين ليله ولكنه أبلغها إليه موزعة تيسيرا .
وقد سئلت عن حكمة كون الأيام عشرة فأجبت بأنه لعله نشأ من جمع سبعة وثلاثة ؛ لأنهما عددان مباركان ولكن فائدة التوزيع ظاهرة وحكمة كون التوزيع كان إلى عددين متفاوتين لا متساويين ظاهرة ؛ لاختلاف حالة الاشتغال بالحج ففيها مشقة وحالة الاستقرار بالمنزل .
وفائدة جعل بعض الصوم في مدة الحج جعل بعض العبادة عن سببها وفائدة التوزيع إلى ثلاثة وسبعة أن كليهما عدد مبارك ضبطت بمثله الأعمال دينية وقضائية .
وأما قول ( كاملة ) فيفيد التحريض على الإتيان بصيام الأيام كلها لا ينقص منها شيء مع التنويه بذلك الصوم وأنه طريق كمال لصائمة فالكمال مستعمل في حقيقته ومجازة
