وقوله ( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) إشارة إلى أقرب شيء في الكلام وهو هدي التمتع أو بدله وهو الصيام والمعنى أن الهدي على الغريب من مكة كي لا يعيد السفر للعمرة فأما الكي فلم ينتفع بالاستغناء عن إعادة السفر فلذا لم يكن عليه هدي وهذا قول مالك والشافعي والجمهور فلذلك لم يكن عندهما على أهل مكة هدي في التمتع والقران لأنهم لا مشقة عليهم في إعادة العمرة وقال أبو حنيفة الإشارة إلى جميع ما يتضمنه الكلام السابق على اسم الإشارة وهو التمتع بالعمرة مع الحج ووجوب الهدي فهو لا يرى التمتع والقران لأهل مكة وهو وجه من النظر .
وحاضرو المسجد الحرام هم أهل بلدة مكة وما جاورها واختلف في تحديد ما جاورها فقال مالك : ما اتصل بمكة وذلك من ذي طوى على أميال قليلة من مكة . وقال الشافعي : من كان من مكة على مسافة القصر ونسبه ابن حبيب إلى مالك وغلطه شيوخ المذهب .
وقال عطاء : حاضرو المسجد الحرام أهل مكة وأهل عرفة ومر وعرنة وضجنان والرجيع وقال الزهري : أهل مكة ومن كان على مسافة يوم أو نحوه وقال ابن زيد : أهل مكة وذوي طوى وفج وما يلي ذلك .
وقال طاووس : حاضروا المسجد الحرام كل من كان داخل الحرم وقال أبو حنيفة : هم من كانوا داخل المواقيت سواء كانوا مكيين أو غيرهم ساكني الحرم أو الحل .
( واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب [ 196 ] ) A E وصاية بالتقوى بعد بيان الأحكام التي لا تخلوا من مشقة للتحذير من التهاون بها فلأمر بالتقوى عام وكون الحج من جملة ذلك هو من جملة العموم وهو أجدر أفراد العموم ولأن الكلام فيه .
وقوله ( واعلموا أن الله شديد العقاب ) افتتح بقوله ( واعلموا ) اهتماما بالخبر فلم يقتصر بأن يقال ( واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) فإنه لو اقتصر عليه العلم المطلوب لأن العلم يحصل من الخبر ولكن لما أريد تحقيق الخبر افتتح بالأمر بالعلم لأنه في معنى تحقيق الخبر كأنه يقول : لا تشكوا في ذلك فأفاد مفاد إن آنفا عند قوله تعالى ( واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ) .
( الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) استئناف ابتدائي للإعلام بتفصيل مناسك الحج والذي أراه أن هذه الآيات نزلت بعد نزول قوله تعالى ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) في سورة آل عمران فإن تلك الآية نزلت بفرض الحج إجمالا وهذه الآية فيها بيان أعماله وهو بيان مؤخر عن المبين وتأخير البيان إلى وقت الحاجة واقع غير مرة فيظهر أن هذه الآية نزلت في سنة تسع تهيئة لحج المسلمين مع أبي بكر الصديق .
وبين نزول هذه الآية ونزول آية ( وأتموا الحج والعمرة لله ) نحو من ثلاث سنين فتكون " فيما نرى " من الآيات التي أمر الرسول عليه السلام بوضعها في هذا الموضع من هذه السورة للجمع بين أعمال الحج وأعمال العمرة .
وهي وصاية بفرائض الحج وسننه ومما يحق أن يراعي في أدائه وذكر ما أراد الله الوصاية به من أركانه وشعائره .
وقد ظهرت عناية الله تعالى بهذه العبادة العظيمة إذ بسط تفاصيلها وأحوالها مع تغيير ما أدخله أهل الجاهلية فيها .
ووصف الأشهر بمعلومات حوالة على ما هو معلوم للعرب من قبل فهي من الموروثة عندهم عن شريعة إبراهيم وهي من مبدأ شوال إلى نهاية أيام المحرم وبعضها بعض الأشهر الحرم لأنهم حرموا قبل يوم الحج شهرا وأياما وحرموا بعده بقية ذي الحجة والحرام كله لتكون الأشهر الحرم مدة كافية لرجوع الحجيج إلى آفاقهم وأما رجب فإنما حرمته مضر لأنه شهر العمرة .
فقوله : ( الحج أشهر معلومات ) أي في أشهر لقوله بعده ( فمن فرض فيهن الحج ) ولك أن تقدر : مدة الحج أشهر وهو كقول العرب " الرطب شهرا ربيع "
