والمقصود من قوله ( الحج أشهر ) يحتمل أن يكون تمهيدا لقوله ( فلا رفث ولا فسوق ) تهوينا لمدة ترك الرفت والفسوق والجدال لصعوبة ترك ذلك على الناس ولذلك قللت بجمع القلة فهو نظير ما روى مالك في الموطأ : أن عائشة قالت لعروة بن الزبير يا ابن أختي إنما هي عشر ليال فإن تخلج في نفسك شيء فدعه تعنى أكل لحم الصيد ويحتمل أن يكون تقريرا لما كانوا عليه في الجاهلية من تعيين أشهر الحج فهو نظير قوله ( إن عدة الشهور عند الله اثنتا عشرا ) الآية وقيل : المقصود بيان وقت الحج ولا أنثلج له .
والأشهر المقصودة هي شوال وذو القعدة وذو الحجة لا غير وإنما اختلفوا في أن ذا الحجة كله شهر أو العشر الأوائل منه أو التسع فقط أو ثلاثة عشر يوما منه فقال بالأول ابن مسعود وابن عمر والزهري وعروة بن الزبير وهو رواية ابن المنذر عن مالك وقال بالثاني ابن عباس والسدي وأبو حنيفة وهو رواية ابن حبيب عن مالك .
وقال بالثالث الشافعي والرابع قول مذهب مالك ذكره ابن الحاجب في المختصر غير معزو .
وإطلاق الأشهر على الشهرين وبعض الأشهر عند أصحاب القولين الثالث والربع فحرج على إطلاق الجمع على الاثنين أو على اعتبار العرب الدخول في الشهر أو السنة كاستكماله كما قالوا : ابن سنتين لمن دخل في الثانية وثمرة هذا الخلاف تظهر فيمن أوقع بعض أعمال الحج مما يصح تأخيره كطواف الزيارة بعد عاشر ذي الحجة فمن يراه أوقعه في أيام الحج لم ير عليه دما ومن يرى خلافه يرى خلافه .
A E وقد اختلفوا في الإهلال بالحج قبل دخول أشهر الحج فقال مجاهد وعطاء والأوازعي والشافعي وأبو ثور : لا يجزي ويكون له عمرة كمن أحرم للصلاة قبل وقتها وعليه : يجب عليه إعادة الإحرام من الميقات عند ابتداء أشهر الحج واحتج الشافعي بقوله تعالى ( الحج أشهر معلومات ) وقال أحمد : يجزئ ولكنه مكروه وقال مالك وأبو حنيفة والنخعي : يجوز الإحرام في جميع السنة بالحج والعمرة إلا أن مالكا كره العمرة في بقية ذي الحجة لأن عمر ابن الخطاب كان ينهى عن ذلك ويضرب فاعله بالدرة ودليل مالك في هذا ما مضى من السنة واحتج النخعي بقوله تعالى ( يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) إذ جعل جميع مواقيت للحج ولم يفصل وهذا احتجاج ضعيف إذ ليس في الآية تعميم جميع الأهلة لتوقيت الحج بل مساق الآية أن جميع الأهلة صالحة للتوقيت إجمالا مع التوزيع في التفصيل فيؤقت كل عمل بما يقارنه من ظهور الأهلة على ما تبينه أدلة أخرى من الكتاب والسنة .
ولاحتمال الآية عدة محامل في وجه ذكر أشهر الحج لا أرى للأئمة حجة فيها لتوقيت الحج .
وقوله تعالى ( فمن فرض فيهن الحج ) تفريع على هاته المقدمة لبيان أن الحج يقع فيها وبيان أهم أحكامه .
ومعنى فرض : نوى وعزم فنية الحج هي العزم عليه وهو الإحرام ويشترط في النية عند مالك وأبي حنيفة مقارنتها لقول من أقوال الحج وهو التلبية أو عمل من أعماله كسوق الهدي وعند الشافعي يدخل الحج بنية ولو لم يصاحب قولا أو عملا وهو أرجح لأن النية في العبادات لم يشترط فيها مقارنتها لجزء من أعمال العبادة ولا خلاف أن السنة مقارنة الإهلال للاغتسال والتلبية واستواء الراحلة براكبها .
وضمير ( فيهن ) للأشهر لأنه جمع لغير عاقل فيجري على التأنيث .
وقوله ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) جواب من الشرطية والرابط بين جملة الشرط والجواب ما في معنى ( لا رفث ) من ضمير يعود على ( من ) ؛ لأن التقدير فلا يرفث .
وقد نفي الرفث والفسوق والجدال نفي الجنس مبالغة في النهي عنها وإبعادها عن الحاج حتى جعلت كأنها قد نهي الحاج عنها فانتهي فانتفت أجناسها ونظير هذا كثير في القرآن كقوله تعالى ( والمطلقات يتربصن ) وهو من قبيل التمثيل بأن شبهت حالة المأمور وقت الأمر بالحالة الحاصلة بعد امتثاله فكأنه امتثل وفعل المأمور به فصار بحيث يخير عنه بأنه فعل كما قرره في الكشاف في قوله ( والمطلقات يتربصن ) فأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة