واتفق العلماء على أن مدارسة العلم والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي عنه وقد سمعت من شيخنا العلامة الوزير أن الزمخشري لما أتم تفسير الكشاف وضعه في الكعبة في مدة الحج بقصد أن يطالعه العلماء الذين يحضرون الموسم وقال : من بدا له أن يجادل في شئ فليفعل فزعموا أن بعض أهل العلم اعترض عليه قائلا : بماذا فسرت قوله تعالى ( ولا جدال في الحج ) وأنه وجم لها وأنا أحسب إن صحت هذه الحكاية أن الزمخشري أعرض عن مجاوبته لأنه رآه لا يفرق بين الجدال الممنوع في الحج وبين الجدال في العلم واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة وينافي حرمة الحج ولأجل ما في أحوال الجدال من التفصيل كانت الآية مجملة فيما يفسد الحج من أنواع الجدال فيرجع في بيان ذلك إلى أدلة أخرى .
وقوله ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) عقب به النهي عن المنهيات لقصد الاتصاف بأضداد تلك المنهيات فكأنه قال : لا تفعلوا ما نهيتم عنه وافعلوا الخير فما تفعلوا يعلمه الله وأطلق علم الله وأريد لازمه وهو المجازاة على المعلوم بطريق الكناية فهو معطوف على قوله : ( فلا رفث ) إلخ : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب [ 197 ] ) معطوف على جملة ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) باعتبار ما فيها من الكناية عن الترغيب في فعل الخير والمعنى وأكثر من فعل الخير .
والتزود إعداد الزاد وهو الطعام الذي يحمله المسافر وهو تفعل مشتق من اسم جامد وهو الزاد كما يقال تعمم وتقمص أي جعل ذلك معه .
فالتزود مستعار للاستكثار من فعل الخير استعداد ليوم الجزاء شبه بإعداد المسافر الزاد لسفره بناء على إطلاق اسم السفر والرحيل على الموت . قال الأعشى في قصيدته التي أنشأها لمدح النبي A وذكر فيها بعض ما يدعو النبي إليه أخذا من هذه الآية وغيرها : .
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقي ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا .
ندمت أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد بما كان أرصدا A E فقوله ( فإن خير الزاد التقوى ) بمنزلة التذييل أي التقوى من التزود للسفر فكونوا عليها أحرص .
ويجوز أن يستعمل التزود مع ذلك في معناه الحقيقي على وجه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه فيكون أمرا بإعداد الزاد لسفر الحج تعريضا بقوم من أهل اليمن كانوا يجيئون إلى الحج دون أي زاد ويقولون نحن متوكلون على الله فيكونون كلا على الناس بالإلحاف .
فقوله ( فإن خير الزاد ) إلخ إشارة إلى تأكيد الأمر بالتزود تنبيها بالتفريع على أنه من التقوى ؛ لأن فيه صيانة ماء الوجه والعرض .
وقوله ( واتقون ) بمنزلة التأكيد لقوله ( فإن خير الزاد التقوى ) ولم يزد إلا قوله ( يا أولى الألباب ) المشير إلى أن التقوى مما يرغب فيه أهل العقول .
والألباب : جمع لب وهو العقل واللب من كل شيء : الخالص منه وفعله لبب يلب بضم اللام قالوا وليس في كلام العرب فعل يفعل بضم العين في الماضي والمضارع من المضاعف إلا هذا الفعل حكاه سيبويه عن يونس وقال ثعلب ما أعرف له نظيرا .
فقوله ( فإن خير الزاد التقوى ) بمنزلة التذييل أي التقوى أفضل من التزود للسفر فكونوا عليها أحرص موقع قوله ( واتقون يا أولي الألباب ) على احتمال أن يراد بالتزود معناه الحقيقي مع المجازي إفادة الأمر بالتقوى التي هي زاد الآخرة بمناسبة الأمر بالتزود لحصول التقوى الدنيوية بصون العرض .
والتقوى مصدر اتقى إذا حذر شيئا وأصلها تقي قلبوا ياءها واو للفرق بين الاسم والصفة فالصفة بالياء كامرأة تقي كخزيي وصديي وقد أطلقت شرعا على الحذر من عقاب الله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه وقد تقدمت عند قوله تعالى ( هدى للمتقين ) .
( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) جملة معترضة بين المتعاطفين بمناسبة النهي عن أعمال في الحج تنافي المقصد منه فتقل الكلام إلى إباحة ما كانوا يتحرجون منه في الحج وهو التجارة ببيان أنها لا تنافي المقصد الشرعي إبطالا لما كان عليه المشركون إذ كانوا يرون التجارة للمحرم بالحج حراما