فالفضل هنا هو المال وابتغاء الفضل التجارة لأجل الربح كما هو في قوله تعالى ( وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ) .
وقد كان أهل الجاهلية إذا خرجوا من سوق ذي المجاز إلى مكة حرم عندهم البيع والشراء قال النابغة : .
كادت تساقطني رحلي وميثرتي ... بذي المجاز ولم تحسس به نغما .
من صوت حرمية قالت وقد ظعنوا ... هل في مخفيكم من يشتري أدما .
قلت لها وهي تسعى تحت لبتها ... لا تحطمنك إن البيع قد زرما أي انقطع البيع وحرم وعن ابن عباس : كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضر من ربكم في موسم الحج اه . أي قراها ابن عباس بزيادة في مواسم الحج .
وقد كانت سوق عكاظ تفتح مستهل ذي القعدة وتدوم عشرين يوما وفيها تباع نفائس السلع وتتفاخر القبائل ويتبارى الشعراء فهي أعظم أسواق العرب وكان موقعها بين نخلة والطائف ثم يخرجون من عكاظ إلى مجنة ثم إلى ذي المجاز والمظنون أنهم يقضون بين هاتين السوقين بقية شهر ذي القعدة ؛ لأن النابغة ذكر أنه أقام بذي المجاز أربع ليال وأنه خرج من ذي المجاز إلى مكة فقال يذكر راحلته : .
باتت ثلاث ليال ثم واحدة ... بذي المجاز تراعي منزلا زيما ثم ذكر أنه خرج من هنالك حاجا فقال : .
" كادت تساقطني رحلي وميثرتي ( فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) الفاء عاطفة على قوله ( فلا رفث ولا فسوق ) الآية عطف الأمر على النهي وقوله : إذا أفضتم شرط للمقصود وهو : فاذكروا الله .
والإفاضة هنا : الخروج بسرعة وأصلها من فاض الماء إذا كثر على ما يحويه فبرز منه وسال ؛ ولذلك سموا إجالة القداح في الميسر إفاضة والمجيل مفيضا لأنه يخرج القداح من الربابة بقوة وسرعة أي بدون تخير ولا جس لينظر القدح الذي يخرج وسموا الخروج من عرفة إفاضة لأنهم يخرجون في وقت واحد وهم عدد كثير فتكون لخروجهم شدة والإفاضة أطلقت في هاته الآية على الخروج من عرفة والخروج من زدلفة .
A E والعرب كانوا يسمون الخروج من عرفة الدفع ويسمون الخروج من مزدلفة إفاضة وكلا الإطلاقين مجاز ؛ لأن الدفع هو إبعاد الجسم بقوة ومن بلاغة القرآن إطلاق الإفاضة على الخروجين ؛ لما في أفاض من قرب المشابهة من حيث معنى الكثرة دون الشدة .
ولأن في تجنب دفعتم تجنبا لتوهم السامعين أن السير مشتمل على دفع بعض الناس بعضا ؛ لأنهم كانوا يجعلون في دفعهم ضوضاء وجلبة وسرعة سير فنهاهم النبي A عن ذلك في حجة الوداع وقال " ليس البر بالإيضاع فإذا أفضتم فعليكم بالسكينة والوقار " .
و " عرفات " اسم واد ويقال : بطن وهو مسيل متسع تنحدر إليه مياه جبال تحيط به تعرف بجبال عرفة بالإفراد وقد جعل عرفات علما على ذلك الوادي بصيغة الجمع بألف وتاء ويقال له : عرفة بصيغة المفرد وقال الفراء : قول الناس يوم عرفة مولد ليس بعربي محض وخالفه أكثر أهل العلم فقالوا : يقال عرفات وعرفة وقد جاء في عدة أحاديث " يوم عرفة " وقال بعض أهل اللغة : لا يقال : يوم عرفات وفي وسط وادي عرفة جبيل يقف عليه ناس ممن يقفون بعرفة ويخطب عليه الخطيب بالناس يوم تاسع ذي الحجة عند الظهر ووقف عليه النبي A راكبا يوم عرفة وبنى في أعلى ذلك الجبيل علم في الموضع الذي وقف فيه النبي A فيقف الأضمة يوم عرفة عنده .
ولا يدري وجه اشتقاق في تسمية المكان عرفات أو عرفة ولا أنه علم منقول أو مرتجل والذي اختاره الزمخشري وابن عطية أنه علم مرتجل والذي يظهر أن أحد الاسمين أصل والآخر طارئ عليه وأن الأصل " عرفات " من العربية القديمة وأن عرفة تخفيف جرى على الألسنة ويحتمل أن يكون الأصل " عرفة " وأن عرفات إشباع من لغة بعض القبائل .
وذكر ( عرفات ) باسمه في القرآن يشير إلى أن الوقوف بعرفة ركن الحج وقال النبي A " الحج عرفة " .
سمي الموضع عرفات الذي هو على زنة الجمع بألف وتاء فعاملوه معاملة الجمع بألف وتاء ولم يمنعوه الصرف مع وجود العلمية
