وجمع المؤنث لا يمنه من الصرف ؛ لأن الجمع يزيل ما في المفرد من العلمية ؛ إذ الجمع بتقدير مسميات بكذا فما جمع إلا بعد قصد تنكيره فالتأنيث الذي يمنع الصرف مع العلمية أو الوصفية هو التأنيث بالهاء .
وذكر الإفاضة من ( عرفات ) يقتضي سبق الوقوف به ؛ لأنه لا إفاضة إلا بعد الحلول بها وذكر ( عرفات ) باسمه تنويه به يدل على أن الوقوف به ركن فلم يذكر من المناسك باسمه غير عرفة والصفا والمروة وفي ذلك دلالة على أنهما من الأركان خلافا لأبي حنيفة في الصفا والمروة ويؤخذ ركن الإحرام من قوله ( فمن فرض فيهن الحج ) وأما طواف الإفاضة فثبت بالسنة وإجماع الفقهاء .
و ( من ) ابتدائية .
والمعنى فإذا أفضتم خارجين من عرفات إلى المزدلفة .
والتصريح باسم ( عرفات ) في هذه الآية للرد على قريش ؛ إذ كانوا في الجاهلية يقفون في " جمع " وهو المزدلفة ؛ لأنهم حمس فيرون أن الوقوف لا يكون خارج الحرم ولما كانت مزدلفة من الحرم كانوا يقفون بها ولا يرضون بالوقوف بعرفة لأن عرفة من الحل كما سيأتي ولهذا لم يذكر الله تعالى المزدلفة في الإفاضة الثانية باسمها وقال ( من حيث أفاض الناس ) لأن المزدلفة هو المكان الذي يفيض منه الناس بعد إفاضة عرفات فذلك حوالة على ما يعلمونه .
و ( المشعر ) اسم مشتق من الشعور أي العلم أو من الشعار أي العلامة لأنه أقيمت فيه علامة كالمنار من عهد الجاهلية ولعلهم فعلوا ذلك لأنهم يدفعون من عرفات آخر المساء فيدركهم غبس ما بعد الغروب وهم جماعات كثيرة فخشوا أن يضلوا الطريق فيضيق عليهم الوقت .
ووصف المشعر بوصف ( الحرام ) لأنه من أرض الحرم بخلاف عرفات .
والمشعر الحرام هو " المزدلفة " سميت مزدلفة لأنها ازدلفت من منى أي اقتربت ؛ لأنهم يبيتون بها قاصدين التصبيح في منى .
ويقال للمزدلفة أيضا " جمع " لأن جميع الحجيج يجتمعون في الوقوف بها الحمس وغيرهم من عهد الجاهلية قال أبو ذؤيب .
فبات بجمع ثم راح إلى منى ... فأصبح رادا يبتغي المزح بالسحل فمن قال : إن تسميتها جمعا لأنها يجمع فيها بين المغرب والعشاء فقد غفل عن كونه اسما من عهد ما قبل الإسلام .
A E وتسمى المزدلفة أيضا " قزح " بقاف مضمونة وزاي مفتوحة ممنوعا من الصرف باسم قرن جبل بين جبال من طرف مزدلفة ويقال له : الميقدة لأن العرب في الجاهلية كانوا يوقدون عليه النيران وهو موقف قريش في الجاهلية وموقف الإمام في المزدلفة على قزح .
روى أبو داود والترمذي أن النبي A لما أصبح بجمع أتى قزح فوقف عليه وقال : هذا قزح وهو الموقف وجمع كلها موقف ومذهب مالك أن المبيت سنة وأما النزول حصة فواجب .
وذهب علقمة وجماعة من التابعين والأوزاعي إلى أن الوقوف بمزدلفة ركن من الحج فمن فاته بطل حجه تمسكا بظاهر الأمر في قوله فاذكروا الله .
وقد كانت العرب في الجاهلية لا يفيضون من عرفة إلى المزدلفة حتى يجيزهم أحد " بني صوفة " وهم بنو الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر وكانت أمه جرهمية لقب الغوث بصوفة ؛ لأن أمه كانت لا تلد فنذرت إن هي ولدت ذكرا أن تجعله لخدمة الكعبة فولدت الغوث وكانوا يجعلون صوفة يربطون بها شعر رأس الصبي الذي ينذرونه لخدمة الكعبة وتسمى الربيط فكان الغوث يلي أمر الكعبة مع أخواله من جرهم فلما غلب قصي بن كلاب على الكعبة جعل الإجازة للغوث ثم بقيت في بنيه حتى انقرضوا وقيل إن الذي جعل أبناء الغوث لإجازة الحاج هم ملوك كندة فكان الذي يجيز بهم من عرفة يقول : .
لا هم إني تابع تباعه ... لإن كان إثم فعلى قضاعه لأن قضاعة كانت تحل الأشهر الحرم ولما انقرض أبناء صوفة صارت الإجازة لبني سعد ابن زيد مناة بن تميم ورثوها بالقعدد فكانت في آل صفوان منهم وجاء الإسلام وهي بيد كرب بن صفوان قال أوس بن مغراء : .
لا يبرح الناس ما حجوا معرفهم ... حتى يقال أجيزوا آل صفوانا ( واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين [ 198 ] )