والمراد تشبيه ذكر الله بذكر آبائهم في الكثرة والتكرير وتعمير أوقات الفراغ به وليس فيه ما يؤذن بالجمع بين ذكر الله وذكر الآباء .
وقوله ( أو أشد ذكرا ) أصل أو أنها للتخيير ولما كان المعطوف بها في مثل ما هنا أولى بمضمون الفعل العامل في المعطوف عليه أفادت " أو " معنى من التدرج إلى أعلى فالمقصود أن يذكروا الله كثيرا وشبه أولا بذكر آبائهم تعريضا بأنهم يشتغلون في تلك المناسك بذكر لا ينفع وأن الأجدر بهم أن يعوضوه بذكر الله فهذا تعريض بإبطال ذكر الآباء بالتفاخر .
ولهذا قال أبو علي الفارسي وابن جني : إن ( أو ) في مثل هذا للإضراب الانتقالي ونفيا اشتراط تقدم نفي أو شبهه واشتراط إعادة العامل .
وعليه خرج قوله تعالى ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) وعلى هذا فالمراد من التشبيه أولا إظهار أن الله حقيق بالذكر هنالك مثل آبائهم ثم بين بأن ذكر الله يكون أشد لأنه أحق بالذكر .
و ( أشد ) لا يخلو عن أن يكون معطوفا على مصدر مقدر منصوب على أنه مفعول مطلق بعد قوله كذكركم آباءكم تقديره : ( فاذكروا الله ذكرا كذكركم آباءكم ) فتكون فتحة أشد التي في آخره فتحة نصب فنصبه بالعطف على المصدر المحذوف الذي دل عليه قوله كذكركم والتقدير : ذكرا كذكركم آباءكم وعلى هذا الوجه فنصب ( ذكرا ) يظهر أنه تمييز لأشد وإذ قد كان أشد وصفا لذكر المقدر صار مآل التمييز إلى أنه تمييز الشيء بمرادفة وذلك ينافي القصد من التمييز الذي هو لإزالة الإبهام إلا أن مثل ذلك يقع في الكلام الفصيح وإن كان قليلا قلة لا تنافي الفصاحة اكتفاء باختلاف صورة اللفظين المترادفين مع إفادة التمييز حينئذ توكيد المميز كما حكى سيبويه أنهم يقولون : هو أشح الناس رجلا وهما خير الناس اثنين وهذا ما درج عليه الزجاج في تفسيره قلت : وقريب منه استعمال تمييز " نعم " توكيدا في قول جرير : .
تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا ويجوز أن يكون نصب ( أشد ) على الحال من " ذكر " الموالي له وأن أصل أسد نعت له وكان نظم الكلام : أو ذكرا أشد فقدم النعت فصار حالا والداعي إلى تقديم النعت حينئذ هو الاهتمام بوصف كونه أشد وليتأتى إشباع حرف الفاصلة عند الوقف عليه وليباعد ما بين كلمات الذكر المتكررة ثلاث مرات بقدر الإمكان .
A E أو أن يكون ( أشد ) معطوفا على " ذكر " المجرور بالكاف من قوله ( كذكركم ) ولا يمنع من ذلك ما قيل من امتناع العطف على المجرور بدون إعادة الجار لأن ذلك غير متفق عليه بين أئمة النحو فالكوفيون لا يمنعونه ووافقهم بعض المتأخرين مثل ابن مالك وعليه قراءة حمزة ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) يجر الأرحام وقد أجاز الزمخشري هنا وفي قوله تعالى ( كخشية الله أو شد خشية ) في سورة النساء أن يكون العطف على المجرور بالحرف بدون إعادة الجار وبعض النحويين جوزه فيما إذا كان الجر بالإضافة لا بالحرف كما قاله ابن الحاجب في إيضاح المفصل وعليه ففتحة أشد نائبة عن الكسرة لأن أشد ممنوع من الصرف وعلى هذا الوجه فانتصاب ( ذكرا ) على التمييز على نحو ما تقدم في الوجه الأول عن سيبويه والزجاج .
ولصاحب الكشاف تخريجان آخران لإعراب ( أو أشد ذكرا ) فيهما تعسف دعاه إليهما الفرار من ترادف التمييز والمميز ولابن جني تبعا لشيخه أبي علي تخريج آخر دعاه إليه مثل الذي دعا الزمخشري وكان تخريجه أشد تعسفا ذكره عنه ابن المنير في الانتصاف وسلكه الزمخشري في تفسير آية سورة النساء .
وهذه الآية من غرائب الاستعمال العربي ونظيرتها آية سورة النساء قال الشيخ ابن عرفة في تفسيره " وهذه مسألة طويلة عويصة ما رأيت من يفهمها من الشيوخ إلا ابن عبد السلام وابن الحباب وما قصر الطيبي فيها وهو الذي كشف القناع عنها هنا وفي قوله تعالى في سورة النساء ( يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ) وكلامه في تلك الآية هو الذي حمل التونسيين على نسخه ؛ لأني كنت عند ابن عبد السلام لما قدم الواصل بكتاب الطيبي فقلت له : ننظر ما قال : في أشد خشية فنظرناه فوجدنا فيه زيادة على ما قال الناس فخص الشيخ إذ ذاك على نسخها اه "