وقوله ( فمن الناس من يقول ) إلخ فقد علم السامعون أن الذكر يشمل الدعاء ؛ لأنه من ذكر الله وخاصة في مظان الإجابة من الزمان والمكان لأن القاصدين لتلك البقاع على اختلاف أحوالهم ما يقصدون إلا تيمنا ورجاء فكان في الكلام تقدير كأنه قيل فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا وادعوه . ثم أريد تفصيل الداعين للتنبيه على تفاوت الذين تجمعهم تلك المناسك وإنما لم يفصل الذكر الأعم من الدعاء لأن الذكر الذي ليس بدعاء لا يقع إلا على وجه واحد وهو تمجيد الله والثناء عليه فلا حاجة إلى تفصيله تفصيلا ينبه إلى ما ليس بمحمود والمقسم إلى الفريقين جميع الناس من المسلمين والمشركين ؛ لأن الآية نزلت قبل تحجير الحج على المشركين بآية براءة فيتعين أن المراد ليس بمن ليس له في الآخرة من خلاق هم المشركون لأن المسلمين لا يهملون الدعاء لخير الآخرة ما بلغت بهم الغفلة فالمقصود من الآية التعريض بذم حالة المشركين فإنهم لا يؤمنون بالحياة الآخرة .
وقوله ( آتنا ) ترك المفعول الثاني لتنزيل الفعل منزلة ما لا يتعدى إلى المفعول الثاني لعدم تعلق الغرض ببيانه أي أعطنا عطاء في الدنيا أو يقدر المفعول بأنه الإنعام أو الجائزة أو محذوف لقرينة قوله ( حسنة ) فيما بعد أي ( آتنا في الدنيا حسنة ) .
و ( الخلاق ) بفتح الخاء الحظ من الخير والنفيس مشتق من الخلافة وهي الجدارة يقال خلق بالشيء بضم اللام إذا كان جديرا به ولما كان معنى الجدارة مستلزما نفاسة ما به الجدارة دل ما اشتق من مرادفها على النفاسة سواء قيد بالمجرور كما هنا أم أطلق كما في قوله A : إنما يلبس هذه من خلاق له أي في الخير وقول البعيث بن حريث .
ولست وإن قربت يوما ببائع ... خلاقي ولا ديني ابتغاء التحبب وجملة ( وما له في الآخرة من خلق ) معطوفة على جملة من يقول فهي ابتدائية مثلها والمقصود : إخبار الله تعالى عن هذا الفريق من الناس أنه لا حظ له في الآخرة لأن المراد من هذا الفريق الكفار فقد قال ابن عطية : كانت عادتهم في الجاهلية ألا يدعوا إلا بمصالح الدنيا إذ كانوا لا يعرفون الآخرة .
ويجوز أن تكون الواو للحال والمعنى من يقول ذلك في حال كونه لا حظ له في الآخرة ولعل الحال للتعجيب .
و ( حسنة ) أصلها صفة لفعلة أو خضلة فحذف الموصوف ونزل الوصف منزلة الاسم مثل تنزيلهم الخير منزلة الاسم مع أن أصله شيء موصوف بالخيرية ومثل تنزيل صالحة منزلة الاسم في قول الحطيئة : A E .
كيف الهجاء وما تنفك صالحة ... من آل لأم بظهر الغيب تأتيني ووقعت حسنة في سياق الدعاء فيفيد العموم لأن الدعاء يقصد به العموم كقول الحريري : .
" يا أهل ذا المغنى وقيتم ضرا وهو عموم عرفي بحسب ما يصلح له كل سائل من الحسنتين .
وإنما زاد في الدعاء ( وقتا عذاب النار ) لأن حصول الحسنة في الآخرة قد يكون بعد عذاب ما فأريد التصريح في الدعاء بطلب الوقاية من النار .
وقوله ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا ) إشارة إلى الفريق الثاني والنصيب : الحظ المعطى لأحد في خير أو شر قليلا كان أو كثيرا ووزنه على صيغة فعيل ولم أدر أصل اشتقاقه فلعلهم كانوا إذا عينوا الحظ لأحد ينصب له ويظهر ويشخص وهذا ظاهر كلام الزمخشري في الأساس والراغب في مفردات القرآن أو هو اسم جاء على هذه الصيغة ولم يقصد منه معنى فاعل ولا معنى مفعول وإطلاق النصيب على الشقص المشاع في قولهم نصيب الشفيع مجاز بالأول .
واعلم أنه وقع في لسان العرب في مادة ( كفل ) أنه لا يقال هذا نصيب فلان حتى يكون قد أعد لغيره مثله فإذا كان مفردا فلا يقال نصيب وهذا غريب لم أره لغيره سوى أن الفخر نقل مثله عن ابن المظفر عند قوله تعالى ( يكن له كفل منها ) في سورة النساء . ووقع في كلام الزجاج وابن عطية في تفسير قوله تعالى ( وجعلوا الله مما ذرأ من الحرق والأنعام نصيبا ) قال الزجاج تقدير الكلام جعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا وقال ابن عطية قولهم جعل من كذا وكذا نصيبا يتضمن بقاء نصيب آخر ليس بداخل في حكم الأول اه
