وهذا وعد من الله تعالى بإجابة دعاء المسلمين الداعين في تلك المواقف المباركة إلا أنه وعد بإجابة شيء مما دعوا به بحسب ما تقتضيه أحوالهم وحكمة الله تعالى وبألا يجر إلى فساد عام لا يرضاه الله تعالى فلذلك نكر نصيب ليصدق بالقليل والكثير وأما إجابة الجميع إذا حصلت فهي أقوى وأحسن وكسبوا بمعنى طلبوا لأن كسب بمعنى طلب ما يرغب فيه .
ويجوز أن يراد بالكسب هنا العمل والنصيب نصيب الثواب فتكون ( من ) ابتدائية .
وأسم الإشارة مشير إلى الناس الذين يقولون ( ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ) للتنبيه باسم الإشارة على أن اتصافهم بما بعد اسم الإشارة شيء استحقوه بسبب الإخبار عنهم بما قبل اسم الإشارة أي أن الله استجاب لهم لأجل إيمانهم بالآخرة فيفهم منه أن دعاء الكافرين في ضلال .
وقوله ( والله سريع الحساب ) تذييل قصد به تحقيق الوعد بحصول الإجابة وزيادة تبشير لأهل ذلك الموقف لأن إجابة الدعاء فيه سريعة الحصول فعلم أن الحساب هنا أطلق على مراعاة العمل والجزاء عليه .
والحساب في الأصل العد ثم أطلق على عد الأشياء التي يراد الجزاء عليها أو قضاؤها فصار الحساب يطلق على الوفاء بالحق يقال حاسبه أي كافأه أو دفع إليه حقه ومنه سمي يوم القيامة يوم الحساب وقال تعالى ( إن حسابهم إلا على ربي ) قال ( جزاء من ربك عطاء حسابا ) أي وفاقا لأعمالهم وهاهنا أيضا أريد به الوفاء بالوعد وإيصال الموعود به فاستفادة التبشير بسرعة حصول مطلوبهم بطريق العموم ؛ لأن إجابتهم من جملة حساب الله تعالى عباده على ما وعدهم فيدخل في ذلك العموم .
والمعنى فإذا أتممتم أيها المسلمون مناسك حجكم فلا تنقطعوا عن أن تذكروا الله بتعظيمه وحمده وبالالتجاء إليه بالدعاء لتحصيل خير الدنيا وخير الآخرة ولا تشتغلوا بالتفاخر فإن ذكر الله خير من ذكركم آباءكم كما كنتم تذكرونهم بعد قضاء المناسك قبل الإسلام وكما يذكرهم المشركون الآن .
ولا تكونوا كالذين لا يدعون إلا بطلب خير الدنيا ولا يتفكرون في الحياة الآخرة لأنهم ينكرون الحياة بعد الموت فإنكم إن سألتموه أعطاكم نصيبا مما سألتم في الدنيا وفي الآخرة وإن الله يعجل باستجابة دعائكم .
( واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون [ 203 ] ) معطوف على ( فاذكروا الله كذكركم آبائكم ) وما بينهما اعتراض, وإعادة فعل اذكروا ليبنى عليه تعليق المجرور أي قوله ( في أيام معدودات ) لبعد متعلقه وهو ( فاذكروا الله كذكركم آبائكم ) , لأنه أريد تقييد الذكر بصفته ثم تقييده بزمانه ومكانه .
A E فالذكر الثاني هو نفس الذكر الأول وعطفه عليه منظور فيه إلى المغايرة بما علق به من زمانه .
والأيام المعدودات أيام منى, وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر, يقيم الناس فيها بمنى وتسمى أيام التشريق, لأن الناس يقددون فيها اللحم, والتقديد تشريق, أو لأن الهدايا لا تنحر فيها حتى تشرق الشمس .
وكانوا يعلمون أن إقامتهم بمنى بعد يوم النحر بعد طواف الإفاضة ثلاثة أيام فيعلمون أنها المراد هنا بالأيام المعدودات, ولذلك قال جمهور الفقهاء الأيام المعدودات أيام منى وهي بعد اليوم العاشر وهو قول ابن عمر ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي والضحاك وجابر بن زيد ومالك, وهي غير المراد من الأيام المعلومات التي في قوله تعالى ( ليذكروا اسم الله في أيام معلومات ) في سورة الحج .
فالأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة, وهي اليوم العاشر ويومان بعده .
والمعدودات أيام منى بعد يوم النحر, فاليوم العاشر من المعلومات لا من المعدودات, واليومان بعده من المعلومات والمعدودات, واليوم الرابع من المعدودات فقط, واحتجوا على ذلك بقوله تعالى ( ليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) لأن اليوم الرابع لا نحر فيه ولا ذبح إجماعا, وقال أبو يوسف محمد بن الحسن لا فرق بين الأيام المعلومات والأيام المعدودات وهي يوم النحر ويومان بعده فليس اليوم الرابع عندهما معلوما ولا معدودا, وعن الشافعي الأيام المعلومات من أول ذي الحجة حتى يوم النحر وما بعد ذلك معدودات, وهو رواية عن أبي حنيفة