ودلت الآية على طلب ذكر الله تعالى في أيام رمي الجمار وهو الذكر عند الرمي وعند نحر الهدايا .
وإنما أمروا بالذكر في هذه الأيام, لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها بالتفاخر ومغازلة النساء, قال العرجي : .
ما نلتقي إلا ثلاثة منى ... حتى يفرق بيننا النفر وقال عمر بن أبي ربيعة : .
بدا لي منها معصم حين جمرت ... وكف خصيب زينت ببنان .
فوالله ما أدري وإن كنت داريا ... بسبع رميت الجمر أم بثمان لأنهم كانوا يرون أن الحج قد انتهى بانتهاء العاشر, بعد أن أمسكوا عن ملاذهم مدة طويلة فكانوا يعودون إليها, فأمرهم الله تعالى بذكر الله فيها وذكر الله فيها هو ذكره عند رمي الجمار .
والأيام المعدودات الثلاثة ترمى الجمار الثلاثة في كل يوم منها بعد الزوال يبتدأ بالجمرة التي تلي مسجد منى بسبع حصيات, ترمى الجمرتان الأخريان كل جمرة بمثل ذلك ويكبر مع كل حصاة, وآخرها جمرة العقبة, وفي أحكام الرمي ووقته وعكس الابتداء فيه بجمرة مسجد منى والمبيت بغير منى خلافات بين الفقهاء .
والآية تدل على أن الإقامة في منى في الأيام المعدودات واجبة فليس للحاج أن يبيت في تلك الليالي إلا في منى, ومن لم يبت في منى فقد أخل بواجب فعليه هدي, ولا يرخص في المبيت في غير منى إلا لأهل الأعمال التي تقتضي المغيب عن منى فقد رخص النبي A للعباس المبيت بمكة لأجل أنه على سقاية زمزم, ورخص لرعاء الإبل من أجل حاجتهم إلى رعي الإبل في المراعي البعيدة عن منى وذلك كله بعد أن يرموا جمرة العقبة يوم النحر ويرجعوا من الغد فيرمون, ورخص للرعاء الرمي بليل, ورخص الله في هذه الآية لمن تعجل إلى وطنه أن يترك الإقامة بمنى اليومين الأخيرين من الأيام المعدودات .
وقوله ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) تفريع لفظي للإذن بالرخصة في ترك حضور بعض أيام منى لمن أعجله الرجوع إلى وطنه, وجيء بالفاء لتعقيب ذكر الرخصة بعد ذكر العزيمة رحمة منه تعالى بعباده .
وفعلا تعجل وتأخر : مشعران بتعجل وتأخر في الإقامة بالمكان الذي يشعر به اسم الأيام المعدودات, فالمراد من التعجل عدم اللبث وهو النفر عن منى ومن التأخر اللبث في منى إلى يوم نفر جميع الحجيج, فيجوز أن تكون صيغة تعجل وتأخر معناه مطاوعة عجله وأخره فإن التفعل يأتي للمطاوعة كأنه عجل نفسه فتعجل وأخرها فتأخر فيكون الفعلان قاصرين لا حاجة إلى تقدير مفعول لهما ولكن المتعجل عنه والمتأخر إليه مفهومان من اسم الأيام المعدودات, أي تعجل النفر وتأخر النفر, ويجوز أن تكون صيغة التفعل في الفعلين لتكلف الفعل كأنه اضطر إلى العجلة أو إلى التأخر فيكون المفعول محذوفا لظهوره أي فمن تعجل النفر ومن تأخره .
A E فقوله ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) ظاهر المعنى في نفي الإثم عنه, وإنما قوله ( ومن تأخر فلا إثم عليه ) يشكل بأن نفي الإثم يقتضي توهم حصوله فيصير التأخر إلى اليوم الرابع رخصة مع أنه هو العزيمة, ودفع هذا التوهم بما روي أن أهل الجاهلية كانوا على فريقين ؛ فريق منهم يبيحون التعجيل, وفريق يبيحون التأخير إلى الرابع فوردت الآية للتوسعة في الأمرين, أو تعجل معنى نفي الإثم فيهما كناية عن التخيير بين الأمرين, والتأخير أفضل, ولا مانع في الكلام من التخيير بين أمرين وإن كان أحدهما أفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل