وعندي أن وجه ذكر ( ومن تأخر فلا إثم عليه ) أن الله لما أمر بالذكر في أيام منى وترك ما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال فيها بالفضول كما تقدم, وقال بعد ذلك ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) خيف أن يتوهم أن التعجيل بالنفر أولى تباعدا عن مواقعه ما لا يحسن من الكلام, فدفع ذلك بقوله ( ومن تأخر فلا إثم عليه ) فإذا نفي هذا التوهم علم السامع أنه قد ثبتت للمتأخر فضيلة الإقامة بتلك المنازل المباركة والمشاركة فيها بذكر الله تعالى, ولذلك عقبه بقوله ( لمن اتقى ) أي لمن اتقى الله في تأخره فلم يرفث ولم يفسق في أيام منى, وإلا فالتأخر فيها لمن لم يتق إثم فهو متعلق بما تدل عليه ( لا ) من معنى النفي, أو هو خبر مبتدأ, أي ذلك ( لمن اتقى ) , وبدون هذا لا يظهر وجه لزيادة قوله ( لمن اتقى ) وإن تكلفوا في تفسيره بما لا تميل النفس إلى تقريره .
وقوله ( واتقوا الله ) وصاية بالتقوى وقعت في آخر بيان مهام أحكام الحج, فهي معطوفة على ( واذكروا الله ) ومعترضة بين ( ومن تأخر ) وبين ( ومن الناس من يعجبك ) الخ .
وقد استحضر حال المخاطبين بأحكام الحج في حال حجهم ؛ لأن مفاتحة هاته الآيات كانت بقوله : ( فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ) الخ, ولما ختمت بقوله ( واذكروا الله في أيام معدودات ) وهي آخر أيام الحج وأشير في ذلك إلى التفرق والرجوع إلى الأوطان بقوله ( فمن تعجل في يومين ) الخ, عقب ذلك بقوله تعالى ( واتقوا الله ) وصية جامعة للراجعين من الحج أن يراقبوا تقوى الله في سائر أحوالهم وأماكنهم ولا يجعلوا تقواه خاصة بمدة الحج كما كانت تفعله الجاهلية فإذا انقضى الحج رجعوا يتقاتلون ويغيرون ويفسدون, وكما يفعله كثير من عصاة المسلمين عند انقضاء رمضان .
وقوله ( واعلموا أنكم إليه تحشرون ) تحريض على التقوى وتحذير من خلافها ؛ لأن من علم ذلك سعى لما يجلب رضا المرجوع إليه وتجنب سخطه .
فالأمر في ( اعلموا ) للتذكير لأن ذلك معلوم عندهم وقد تقدم آنفا عند قوله ( واعلموا أن الله شديد العقاب ) .
والحشر : الجمع بعد التفرق . فلذلك ناسب قوله ( تحشرون ) حالتي تفرق الحجيج بعد انقضاء الحج واجتماع أفراد كل فريق منهم إلى بلده بعد ذلك .
واختير لفظ ( تحشرون ) هنا دون تصيرون أو ترجعون لأن تحشرون أجمع لأنه يدل على المصير وعلى الرجوع مع الدلالة على أنهم يصيرون مجتمعين كلهم كما كانوا مجتمعين حين استحضار حالهم في هذا الخطاب وهو اجتماع الحج ولأن الناس بعد الحج يحشرون إلى مواطنهم فذكرهم بالحشر العظيم بلفظ تحشرون أنسب بالمقام من وجوه كثيرة والعرب كانوا يتفرقون رابع أيام منى فيرجعون إلى مكة لزيارة البيت لطواف الوداع ثم ينصرفون فيرجع كل فريق إلى موطنه قال امرؤ القيس يذكر التفرق يوم رابع النحر وهو يوم المحصب في منى : .
فلله عينا من رأى من تفرق ... أشت وأنأى من فراق المحصب .
غداة غدوا فسالك بطن نخلة ... وآخر منهم جازع نجد كبكب وقال كثير : .
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح الأركان من هو ماسح .
وشدت على دهم المهارى رحالنا ... ولم ينظر الغادي الذي هو رائح .
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح والمعنى ليكن ذكركم الله ودعاؤكم في أيام إقامتكم في منى وهي الأيام المعدودات الثلاثة الموالية ليوم الأضحى وأقيموا في منى تلك الأيام فمن دعته حاجته إلى التعجيل بالرجوع إلى وطنه فلا إثم عليه أن يترك يومين من أيام منى وهما الثاني عشر من ذي الحجة والثالث عشر منه .
A E ( ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام [ 204 ] وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد [ 205 ] وإذا قيل له اتقي الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد [ 206 ] )
