عطف على جملة ( فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا ) الخ لأنه ذكر هنالك حال المشركين الصرحاء الذين لا حظ لهم في الآخرة وقابل ذكرهم بذكر المؤمنين الذين لهم رغبة في الحسنة في الدنيا الآخرة فانتقل هنا إلى حال فريق آخرين ممن لا حظ لهم في الآخرة وهم متظاهرون بأنهم راغبون فيها مع مقابلة حالهم بحال المؤمنين الخالصين الذين يؤثرون الآخرة والحياة الأبدية على الحياة الدنيا وهم المذكورون في قوله ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) .
و ( من ) بمعنى بعض كما في قوله تعالى ( ومن الناس من يقول آمنا بالله ) فهي صالحة للصدق على فريق أو على شخص معين و ( من ) الموصولة كذلك صالحة لفريق وشخص .
والإعجاب إيجاد العجب في النفس والعجب : انفعال يعرض للنفس عند مشاهدة أمر غير مألوف خفي سببه .
ولما كان شأن ما يخفى سببه أن ترغب فيه النفس, صار العجب مستلزما للإحسان فيقال أعجبني الشيء بمعنى أوجب لي استحسانه, قال الكواشي يقال في الاستحسان : أعجبني كذا, وفي الإنكار : عجبت من كذا, فقوله : يعجبك أي يحسن عندك قوله .
والمراد من القول هنا ما فيه من دلالته على حاله في الإيمان والنصح للمسلمين, لأن ذلك هو الذي يهم الرسول ويعجبه, وليس المراد صفة قوله في فصاحة وبلاغة ؛ إذ لا غرض في ذلك هنا لأن المقصود ما يضاد قوله : وهو ألد الخصام إلى آخره .
والخطاب إما للنبي A أي ومن الناس من يظهر لك ما يعجبك من القول وهو الإيمان وحب الخير والإعراض عن الكفار, فيكون المراد ب ( من ) المنافقين ومعظمهم من اليهود, وفيهم من المشركين من أهل يثرب وهذا هو الأظهر عندي, أو طائفة معينة من المنافقين, وقيل : أريد به الأخنس بن شريف الثقفي واسمه أبي وكان لمولى لبني زهرة من قريش وهم أخوال النبي A , وكان يظهر المودة للنبي A . ولم ينضم إلى المشركين في واقعة بدر بل خنس أي تأخر عن الخروج معهم إلى بدر وكان له ثلثمائة من بني زهرة أحلافه فصدهم على الانضمام إلى المشركين فقيل : إنه كان يظهر الإسلام وهو منافق, وقال ابن عطية : لم يثبت أنه أسلم قط, ولكن كان يظهر الود للرسول فلما انقضت وقعة بدر قيل : إنه حرق زرعا للمسلمين وقتل حميرا لهم فنزلت فيه هاته الآية ونزلت فيه أيضا ( ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ) ونزلت فيه ( ويل لكل همزة لمزة ) , وقيل بل كانت بينه وبين قومه ثقيف عداوة فبيتهم ليلا فأحرق زرعهم وقتل مواشيهم فنزلت فيه الآية وعلى هذا فتقريعه لأنه غدرهم وأفسد .
ويجوز أن الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب تحذيرا للمسلمين من أن تروج عليهم حيل المنافقين وتنبيهه لهم إلى استطلاع أحوال الناس وذلك لا بد منه والظرف من قوله ( في الحياة الدنيا ) ويجوز أن يتعلق ( يعجبك ) فيراد بهذا الفريق من الناس المنافقون الذين يظهرون كلمة الإسلام والرغبة فيه . على حد قوله تعالى ( وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ) أي إعجابك بقولهم لا يتجاوز الحصول في الحياة الدنيا فإنك في الآخرة تجدهم بحالة لا تعجبك فهو تمهيد لقوله في آخر الآية ( فحسبه جهنم ) والظرفية المستفادة من ( في ) ظرفية حقيقية .
ويجوز أن يتعلق بكلمة ( قوله ) أي كلامه عن شئون الدنيا من محامد الوفاء في الحلف مع المسلمين والود للنبي ولا يقول شيئا في أمور الدين, فهذا تنبيه على أنه لا يتظاهر بالإسلام فيراد بهذا الأخنس بن شريق .
وحرف ( في ) على هذا الوجه للظرفية المجازية بمعنى ( عن ) والتقدير قوله ( عن الحياة الدنيا ) .
ومعنى ( يشهد الله على ما في قلبه ) أنه يقرن حسن قوله وظاهر تودده بإشهاد الله تعالى على أن ما في قلبه مطابق لما في لفظه, ومعنى إشهاد الله حلفه بأن الله يعلم أنه لصادق .
A E وإنما أفاد ما في قلبه معنى المطابقة لقوله لأنه لما أشهد الله حين قال كلاما حلوا تعين أن يكون مدعيا أن قلبه كلسانه قال تعالى ( يحلفون بالله لكم ليرضوكم ) .
ومعنى ( وهو ألد الخصام ) ى أنه شديد الخصومة أي العداوة مشتق من لده يلده بفتح اللام لأنه من فعل, تقول : لددت يا زيد بكسر الدال إذا خاصم, فهو لاد ولدود فاللدة شدة الخصومة والألد الشديد الخصومة قال الحماسي ربيعة بن مقروم : وألد ذي حنق علي كأنما تغلي حرارة صدره في مرجل