فألد صفة مشبهة وليس اسم تفضيل, ألا ترى أن مؤنثه جاء على فعلاء فقالوا : لداء وجمعه جاء على فعل قال تعالى ( وتنذر به قوما لدا ) وحينئذ ففي إضافته للخصام إشكال ؛ لأنه يصير معناه شديد الخصام من جهة الخصام فقال في الكشاف : إما أن تكون الإضافة على المبالغة فجعل الخصام ألد أي نزل خصامه منزلة شخص له خصام فصارا شيئين فصحت الإضافة على طريقة المجاز العقلي, كأنه قيل : خصامه شديد الخصام كما قالوا : جن جنونه وقالوا : جد جده, أو الإضافة على معنى في أي وهو شديد الخصام في الخصام أي في حال الخصام, وقال بعضهم يقدر مبتدأ محذوف بعد ( وهو ) تقديره : وهو خصامه ألد الخصام وهذا التقدير لا يصح لأن الخصام لا يوصف بالألد فتعين أن يؤول بأنه جعل بمنزلة الخصم وحينئذ فالتأويل مع عدم التقدير أولى, وقيل الخصام هنا جمع خصم كصعب وصعاب وليس هو مصدرا وحينئذ تظهر الإضافة أي وهو ألد الناس المخاصمين .
وقوله تعالى ( وإذا تولى سعى في الأرض ) إذا ظرف تضمن معنى الشرط .
وتولى إما مشتق من التولية : وهي الإدبار والانصراف يقال ولى وتولى وقد تقدم قوله تعالى ( ما ولهم عن قبلتهم ) أي وإذا فارقك سعى في الأرض ليفسد .
ومتعلق تولى محذوف تقديره تولى عنك, والخطاب المقدر يجري على الوجهين المتقدمين وإما مشتق من الولاية : يقال ولي البلد وتولاه, أي وإذا صار واليا أي إذا تزعم ورأس الناس سعى في الأرض بالفساد, وقد كان الأخنس زعيم مواليه وهم بنو زهرة .
وقوله ( سعى في الأرض ليفسد فيها ) السعي حقيقته المشي الحثيث قال تعالى : ( وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ) ويطلق السعي على العمل والكسب, قال تعالى : ( ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها ) وقال امرؤ القيس : .
" فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة البيتين ويطلق على التوسط بين الناس لإصلاح ذات البين أو لتخفيف الإضرار قال عمرو بن كلثوم : .
ومنا قبله الساعي كليب ... فأي الفضل إلا قد ولينا وقال لبيد : .
" وهم السعاة إذا العشيرة أفظعت البيت ويطلق على الحرص وبذل العزم لتحصيل شيء كما قال تعالى في شأن فرعون ( ثم أدبر يسعى ) فيجوز أن يكون هنا بالمعنيين الأول والرابع أي ذهب يسير في الأرض غازيا ومغيرا ليفسد فيها .
فيكون إشارة إلى ما فعله الأخنس بزرع بعض المسلمين لأن ذلك مؤذن بكفره وكذبه في مودة النبي A إذ لو كان وده صادقا لما آذى أتباعه .
أو إلى ما صنعه بزرع ثقيف على قول من قال من المفسرين أن الأخنس بيت ثقيفا وكانت بينه وبينهم عداوة وهم قومه فأغار عليهم بمن معه من بني زهرة فأحرق زروعهم وقتل مواشيهم .
لأن صنيعه هذا بقوم وإن كانوا يومئذ كفارا لا يهم المسلمين ضرهم ولأنه لم يفعله انتصارا للإسلام ولم يكن في حالة حرب معهم فكان فعله ينم عن خبث طوية لا تتطابق مع ما يظهره من الخير ولين القول ؛ إذ من شأن أخلاق المرء أن تتماثل وتتظاهر فالله لا يرضى بإضرار عبيده ولو كفارا ضرا لا يجر إلى نفعهم ؛ لأنهم لم يغزهم حملا لهم على الإيمان بل إفسادا وإتلافا ولذلك قال تعالى ( والله لا يحب الفساد ) .
وقوله ( في الأرض ) تأكيد لمدلول ؟ ( سعى ) لرفع توهم المجاز من أن يراد بالسعي العمل والاكتساب فأريد التنصيص على أن هذا السعي هو السير في الأرض للفساد وهو الغارة والتلصص لغير إعلاء كلمة الله ولذلك قال بعده ( ليفسد فيها ) فاللام للتعليل لأن الإفساد مقصود لهذا الساعي .
A E ويجوز أن يكون ( سعى ) مجازا في الإرادة والتدبير أي دبر الكيد لأن ابتكار الفساد وإعمال الحيلة لتحصيله مع إظهار النصح بالقول كيد ويكون ليفسد مفعولا به لفعل ( سعى ) والتقدير أراد الفساد في الأرض ودبره وتكون اللام لام التبليغ كما تقدم في قوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ) إلى قوله ( ولتكملوا العدة ) فاللام شبيه بالزائد وما بعد اللام من الفعل المقدرة معه ( أن ) مفعول به كما في قوله تعالى ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ) وقول جزء بن كليب الفقعسي : .
تبغى ابن كوز والسفاهة كاسمها ... ليستاد منا أن شتونا لياليا
