إذ التقدير تبغى الاستياد منا قال المرزوقي " أتى بالفعل واللام لأن تبغى مثل أراد فكما قال الله D ( يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ) والمعنى يريدون إطفاء نور الله كذلك قال تبغي ليستاد أي تبغي الاستياد منا اه .
وأقول : إن هذا الاستعمال يتأتى في كل موضع يقع فيه مفعول الفعل علة للفعل مع كونه مفعولا به فالبليغ يأتي به مقترنا بلام العلة اعتمادا على أن كونه مفعولا به يعلم من تقدير ( أن ) المصدرية .
ويكون قوله ( في الأرض ) متعلقا بسعى لإفادة أن سعيه في أمر من أمور أهل أرضكم وبذلك تكون إعادة ( فيها ) من قوله ( ليفسد فيها ) بيانا لإجمال قوله ( في الأرض ) مع إفادة التأكيد .
وقوله ( ويهلك الحرث والنسل ) بضم الياء أي يتلفه .
والحرث هنا مراد منه الزرع والنسل أطفال الحيوان مشتق من نسل الصوف نسولا إذا سقط وانفصل وعندي أن إهلاك الحرث والنسل كناية عن اختلال ما به قوام أحوال الناس وكانوا أهل حرث وماشية فليس المراد خصوص هذين بل المراد ضياع ما به قوام الناس وهذا جار مجرى المثل وقيل الحرث والنسل هنا إشارة إلى ما صنع الأخنس بن شريق وأيا ما كان فالآية دالة على أن من يتسبب في مثل ذلك صريحا و كناية مستحق للعقاب في الآخرة ولذلك عقب بجملة التذييل وهي ( والله لا يحب الفساد ) تحذيرا وتوبيخا .
ومعنى نفي المحبة نفي الرضا بالفساد وإلا فالمحبة " وهي انفعال النفس وتوجه طبيعي يحصل نحو استحسان ناشئ " مستحيلة على الله تعالى فلا يصح نفيها فالمراد لازمها وهو الرضا عندنا وعند المعتزلة : الإرادة والمسألة مبنية على مسألة خلق الأفعال .
ولا شك أن التقدير : إذا لم يرض بشيء يعاقب فاعله إذ لا يعوقه عن ذلك عائق وقد سمى الله ذلك فسادا ون كان الزرع والحرث للمشركين ؛ لأن إتلاف خيرات لأرض رزء على الناس كلهم وإنما يكون القتال بإتلاف الأشياء التي هي آلات الإتلاف وأسباب الاعتداء .
والفساد ضد الصلاح ومعنى الفساد : إتلاف ما هو نافع للناس نفعا محضا أو راجحا فإتلاف الألبان مثلا إتلاف نفع محض وإتلاف الحطب بعلة الخوف من الاحتراق إتلاف نفع راجح والمراد بالرجحان رجحان استعماله عند الناس لا رجحان كمية النفع على كمية الضر فإتلاف الأدوية السامة فساد وإن كان التداوي بها نادرا لكن الإهلاك بها كالمعدوم لما في عقول الناس من الوازع عن الإهلاك بها فيتفادى عن ضرها بالاحتياط في رواجها وبأمانة من تسلم إليه وأما إتلاف المنافع المرجوحة فليس من الفساد كإتلاف الخمور بله إتلاف ما لا نفع فيه بالمرة كإتلاف الحيات والعقارب والفئران والكلاب الكلبة وإنما كان الفساد غير محبوب عند الله : لأن في الفساد بالتفسير الذي ذكرناه تعطيلا لما خلقه الله في هذا العالم لحكمة صلاح الناس فإن الحكيم لا يحب تعطيل ما تقتضيه الحكمة فقتال العدو إتلاف للضر الراجح ولذلك يقتصر في القتال على ما يحصل به إتلاف الضر بدون زيادة ومن أجل ذلك نهى عن إحراق الديار في الحرب وعن قطع الأشجار إلا إذا رجح في نظر أمير الجيش أن بقاء شيء مكن ذلك يزيد قوة العدو ويطيل مدة القتال ويخاف منه على جيش المسلمين أن ينقلب إلى هزيمة وذلك يرجع إلى قاعدة : الضرورة تقدر بقدرها .
وقوله ( وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ) إي وإذا وعظه واعظ بما يقتضي تذكيره بتقوى الله تعالى غضب لذلك, والأخذ أصله تناول الشيء باليد, واستعمل مجازا مشهورا في الاستيلاء قال تعالى ( وخذوهم واحصروهم ) وفي القهر نحو ( وأخذناهم بالبأساء ) .
A E وفي التلقي مثل ( أخذ الله ميثاق النبيين ) ومنه أخذ فلان بكلام فلان, وفي الاحتواء والإحاطة يقال أخذته الحمى وأخذتهم الصيحة, ومنه قوله هنا أخذته العزة أي احتوت عليه عزة الجاهلية .
والعزة صفة : يرى صاحبها أنه لا يقدر عليه غيره ولا يعارض في كلامه لأجل مكانته في قومه واعتزازه بقوتهم قال السموأل : .
وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول ومنه العزة بمعنى القوة والغلبة وإنما تكون غالبا في العرب بسبب كثرة القبيلة, وقد تغني الشجاعة عن الكثرة ومن أمثالهم : وإنما العزة للكاثر, وقالوا : لن نغلب من قلة وقال السموأل : .
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل