ومنها جاء الوصف بالعزيز كما سيأتي في قوله ( فاعلموا أن الله عزيز حكيم ) .
ف ( أل ) في ( العزة ) للعهد أي العزة المعروفة لأهل الجاهلية التي تمنع صاحبها من قبول اللوم أو التغيير عليه, لأن العزة تقتضي معنى المنعة فأخذ العزة له كناية عن عدم إصغائه لنصح الناصحين .
وقوله ( بالإثم ) الباء فيه للمصاحبة أي أخذته العزة الملابسة للإثم والظلم وهو الاحتراس لأن من العزة ما هو محمود قال تعالى ( والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين ) أي فمنعته من قبول الموعظة وأبقته حليف الإثم الذي اعتاده لا يرعوي عنه وهما قرينان .
وقوله ( فحسبه جهنم ) تفريع على هاته الحالة, وأصل الحسب هو الكافي كما سيجيء عند قوله تعالى ( وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) في آل عمران .
ولما كان كافي الشيء من شأنه أن يكون على قدره ومما يرضيه كما قال أبو الطيب " على قدر أهل العزم تأتي العزائم " أطلق الحسب على الجزاء كما هنا .
وجهنم علم على دار العقاب الموقدة نارا, وهو اسم ممنوع من الصرف قال بعض النحاة للعلمية والتأنيث, لأن العرب اعتبرته كأسماء الأماكن وقال بعضهم للعلمية والعجمة وهو قول الأكثر : جاء من لغة غير عربية, ولذلك لا حاجة إلى البحث عن اشتقاقه, ومن جعله عربيا زعم أنه مشتق من الجهم وهو الكراهية فزعم بعضهم أن وزنه فعل بزيادة نونين أصله فعل بنون واحدة ضعفت وقيل وزنه فعلل بتكرير لوه الأولى وهي النون إلحاقا له بالخماسي ومن قال : أصلها بالفارسية كهنام فعربت جهنم .
وقيل أصلها عبرانية كهنام بكسر الكاف وكسر الهاء فعربت وأن من قال إن وزن فعنل لا وجود له ولا يلتفت لقوله لوجود دونك اسم واد بالعامية وحفنكى اسم للضعيف وهو بحاء مهملة وفاء مفتوحتين ونون ساكنة وكاف وألف وهما نادران, فيكون جهنم نادرا, وأما قول العرب ركية جهنم أي بعيد القعر فلا حجة فيه, لأنه ناشئ عن تشبيه الركية بجهنم, لأنهم يصفون جهنم أنها كالبئر العميقة الممتلئة نارا قال ورقة بن نوفل أو أمية بن أبي الصلت يرثي زيدا بن عمرو بن نفيل وكانا معا ممن ترك عبادة الأوثان في الجاهلية : .
رشدت وأنعمت ابن عمرو وإنما ... تجنبت تنورا من النار مظلما وقد جاء وصف جهنم في الحديث بمثل ذلك وسماها الله في كتابه في مواضع كثيرة نارا وجعل ( وقودها الناس والحجارة ) وقد تقدم القول في ذلك عند قوله تعالى ( فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة ) .
وقوله ( ولبئس المهاد ) أي جهنم, والمهاد ما يمهد أي يهيأ لمن ينام, وإنما سمي جهنم مهادا تهكما, لأن العصاة يلقون فيها فتصادف جنوبهم وظهورهم .
( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد [ 207 ] ) هذا قسيم ( ومن الناس من يعجبك قوله ) وذكره هنا بمنزلة الاستطراد استيعابا لقسمي الناس, فهذا القسم هو الذي تمحض فعله للخير حتى بلغ غاية ذلك وهو تعريض نفسه التي هي أنفس الأشياء عليه للهلاك لأجل تحصيل ما يرضي الله تعالى, وإنما رضى الله تعالى بفعل الناس للخير الذي أمرهم به .
و ( يشري ) معناه يبيع كما يشتري بمعنى يبتاع وقد تقدم ذلك في قوله تعالى ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) .
واستعمل ( يشري ) هنا في البذل مجازا والمعنى ومن الناس من يبذل نفسه للهلاك ابتغاء مرضاة الله أي هلاكا في نصر الدين وهذا أعلى درجات الإيمان لأن النفس أغلى ما عند الإنسان .
A E