استئناف على طريقة للاعتراض انتهازا للفرصة إلى الدخول في السلم ومناسبة ذكره عقب ما قبله أن الآيات السابقة اشتملت على تقسيم الناس تجاه الدين مراتب أعلاها ( من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) لأن النفس أغلى ما يبذل وأقلها ( من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام ) أي يضمر الكيد ويفسد على الناس ما فيه نفع الجميع وهو خيرات الأرض وذلك يشتمل على أنه اعتدى على قوم مسالمين فناسب بعد أن يدعي الناس إلى الدخول فيما يطلق عليه اسم السلم وهذه المناسبة تقوى وتضعف بحسب تعدد الاحتمالات في معنى طلب الدخول في السلم .
والخطاب بيا أيها الذين آمنوا خطاب للمسلمين على عادة القرآن في إطلاق هذا العنوان ولأن شأن الموصول أن يكون بمنزلة المعرف بلام العهد .
و " الدخول " حقيقته نفوذ الجسم في جسم أو مكان محوط كالبيت والمسجد ويطلق مجازا مشهورا على حلول المكان الواسع يقال دخل بلاد بني أسد وهو هنا مستعار للاتباع والالتزام وشدة التلبس بالفعل .
و " السلم " بفتح السين وكسرها مع سكون اللام قرأ نافع وابن كثير والكسائي وأبو جعفر بفتح السين وقرأ باقي العشرة بكسر السين ويقال سلم بفتح السين واللام قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا ) وحقيقة السلم الصلح وترك الحرب قال عباس ابن مرداس : .
السلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب تكفيك من أنفاسها جزع وشواهد هذا كثيرة في كلامهم وقال زهير : .
" وقد قلتما إن ندرك السلم واسعا بكسر السين واشتقاقه من السلامة وهي النجاة من ألم أو ضر أو عناد يقال أسلم نفسه لفلان أي أعطاه إياها بدون مقاومة واستسلم طلب السلم أي ترك المقاومة وتقول العرب : أسلم أم حرب أي أ أنت مسالم أم محارب وكلها معان متولد بعضها من بعض فلذلك جزم أئمة اللغة بأن السلم بكسر السين وفتحها وبالتحريك يستعمل كل واحد منها فيما يستعمل فيه الآخر .
قالوا ويطلق السلم بلغاته الثلاث على دين الإسلام ونسب إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة وأنشدوا قول امرئ القيس بن عابس الكندي في قضية ردة قومه : .
دعوت عشسرتي للسلم لما ... رايتهموا تولوا مدبرينا .
فلست مبدلالا بالله ربا ... ولا مستبدلا بالسلم دينا وهذا الإطلاق انفرد بذكره أصحاب التفسير ولم يذكره الراغب في مفردات القرآن ولا الزمخشري في الأساس وصاحب لسان العرب وذكره في القاموس تبعا للمفسرين وذكره الزمخشري في الكشاف حكاية قول في تفسير السلم هنا فهو إطلاق غير موثوق بثبوته وبيت الكندي يحتمل معنى المسالمة أي المسالمة للمسلمين ويكون قوله ( دينا ) بمعنى العادة الملازمة كما قال المثقب العبدي : .
تقول وقد أدرت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني وعن أبي عمرو بن العلاء السلم بكسر السين هو الإسلام والسلم بفتح السين المسالمة ولذلك قرأ ( أدخلوا في السلم ) في هذه السورة بكسر السين لا غير وقرأ التي في سورة الأنفال والتي في سورة محمد A بفتح السين قال الطبري توجيها منه لمعناه هنا إلى أنه الإسلام دون الآيتين الأخريين .
وأنكر المبرد هذه التفرقة وقال : اللغة لا تؤخذ هكذا وإنما تؤخذ بالسماع لا بالقياس ويحتاج من فرق إلى دليل .
فكون السلم من أسماء الصلح لا خلاف فيه بين أئمة اللغة فهو مراد من الآية لا محالة وكونه يطلق على الإسلام إذا صح ذلك جاز أي يكون مرادا أيضا ويكون من استعمال المشترك في معنييه .
فعلى أن يكون المراد بالسلم المسالمة كما يقتضيه خطابهم بيأيها الذين آمنوا الذي هو كاللقب للمسلمين كان المعنى أمرهم بالدخول في المسالمة دون القتال وكما تقتضيه صيغة الأمر في ( ادخلوا ) من أن حقيقتها طلب تحصيل فعل لم يكن حاصلا أو كان مفرطا في بعضه .
A E