فالذي يبدو لي أن تكون مناسبة ذكر هذه الآية عقب ما تقدم هي أن قوله تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) الآيات تهيئة لقتال المشركين لصدهم المسلمين عن البيت وإرجافهم بأنهم أجمعوا أمرهم على قتالهم والإرجاف بقتل عثمان بن عفان بمكة حين أرسله رسول الله إلى قريش فذكر ذلك واستطرد بعده ببيان أحكام الحج والعمرة فلما قضى حق ذلك كله وألحق به ما أمر الله بوضعه في موضعه بين تلك الآيات أستؤنف هنا أمرهم بالرضا بالسلم والصلح الذي عقده رسول الله A مع أهل مكة عام الحديبية لأن كثيرا من المسلمين كانوا آسفين من وقوعه ومنهم عمر بن الخطاب فقد قال : ألسنا على الحق وعدونا على الباطل فكيف نعطي الدنية في ديننا رواه أهل الصحيح فتكون مدة ما بين نزول المسلمين بالحديبية وتردد الرسل بينهم وبين قريش وما بين وقوع الصلح هي مدة نزول الآيات من قوله تعالى ( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) إلى هنا . واعلم أنه إذا كان الضمير في قوله تعالى ( هل ينظرون ) راجعا إلى من الناس من يعجبك أو من الناس من يشري نفسه كما سيأتي يكون قوله ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ) اعتراضا بين الجملة ذات المعاد والجملة ذات الضمير .
فأما إذا فسر السلم بالإسلام أي دين الإسلام فإن الخطاب بيا أيها الذين آمنوا وأمر المؤمنين بالدخول في الإسلام يؤول بأنه أمر بزيادة التمكن منه والتغلغل فيه لأنه يقال دخل الإيمان في قلبه إذا استقر وتمكن قال تعالى ( ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) .
وقال النابغة : .
أبى غفلتي أني إذا ما ذكرته ... تحرك داء في فؤادي داخل وهذا هو الظاهر . فيراد بالأمر في ( ادخلوا ) الدوام على ذلك وقيل أريد بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان فتكون خطابا للمنافقين .
فيؤول قوله ( الذين آمنوا ) بمعنى أظهروا الإيمان فيكون تهكما بهم على حد قوله ( وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) فيكون خطابا للمنافقين وهذا تأويل بعيد لأن الذين آمنوا صار كاللقب لمن ابتع الذين اتباعا حقا ولأن الظاهر على هذا أن يثبت للمنافقين وصف الإسلام ويطلب منهم الإيمان دون العكس بدليل قوله تعالى ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) .
وقيل المراد بالذين آمنوا : الذين آمنوا من اليهود كعبد الله بن سلام فيؤول ادخلوا بمعنى شدة التلبس أي بترك ما لم يجيء به الدين لأنهم استمروا على تحريم السبت وترك شرب ألبان الإبل وبعض ما اعتادوه من أحوالهم أيام تهودهم إذا صح ما رواه أهل أسباب النزول أن طائفة من مؤمني اليهود فعلوا ذلك .
ويجوز أن يكون المراد من السلم هنا المعنى الحقيقي ويراد السلم بين المسلمين يأمرهم الله تعالى بعد أن اتصفوا بالإيمان بألا يكون بعضهم حربا لبعض كما كانوا عليه في الجاهلية وبتناسي ما كان بين قبائلهم من العداوات ومناسبة ذكر هذا عقب ما تقدم أنهم لما أمروا بذكر الله كذكرهم آباءهم وكانوا يذكرون في موسم الحج تراتهم ويفخرون فخرا قد يفضي إلى الحمية أمروا عقب ذلك بالدخول في السلم ولذلك قال رسول الله A في خطبه حجة الوداع " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ) فتكون الآية تكملة للأحكام المتعلقة بإصلاح أحوال العرب التي كانوا عليها في الجاهلية وبها تكون الآية أصلا في كون السلم أصلا للإسلام وهو رفع التهارج كما قال الشاطبي أي التقاتل وما يفضي إليه وإما أن يكون المراد من السلم هنا السلم مع الله تعالى على معنى المجاز : أي ادخلوا في مسالمة الله تعالى باتباع أوامره واجتناب منهياته كما أطلق الحرب على المعصية مجازا في قوله تعالى ( فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) وفي الحديث القدسي الذي رواه الترمذي " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " .
و ( كافة ) اسم يفيد الإحاطة بأجزاء ما وصف به وهو في صورة صوغه كصوغ اسم الفاعلة من كف ولكن ذلك مصادفة في صيغة الوضع وليس فيها معنى الكف ولا حاجة إلى تكلف بيان المناسبة بين صورة لفظها وبين معناها المقصود في الكلام لقلة جدوى ذلك وتفيد مفاد ألفاظ التوكيد الدالة على الشمول والإحاطة .
A E